إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - الطرف الثالث
و هو يابس،فلا تقدر على الابتلاع إلا بأن ينزلق إلى الحلق بنوع رطوبة.فانظر كيف خلق اللّه تعالى تحت اللسان عينا يفيض اللعاب منها،و ينصب بقدر الحاجة،حتى ينعجن به الطعام.فانظر كيف سخرها لهذا الأمر،فإنك ترى الطعام من بعد،فيثور الحنكان للخدمة،و ينصب اللعاب حتى تتحلب أشداقك،و الطعام بعد بعيد عنك.ثم هذا الطعام المطحون المنعجن،من يوصله إلى المعدة و هو في الفم،و لا تقدر على أن تدفعه باليد، و لا يد في المعدة حتى تمتد فتجذب الطعام.فانظر كيف هيأ اللّه تعالى المريء و الحنجرة ، و جعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام،ثم تنطبق و تنضغط حتى ينقلب الطعام بضغطه،فيهوى إلى المعدة في دهليز المريء.فإذا ورد الطعام على المعدة،و هو خبز و فاكهة مقطعة،فلا يصلح لأن يصير لحما و عظما و دما على هذه الهيئة،بل لا بد و أن يطبخ طبخا تاما حتى تتشابه أجزاؤه.فخلق اللّه تعالى المعدة على هيئة قدر،فيقع فيها الطعام، فتحتوى عليه،و تغلق عليه الأبواب،فلا يزال لابثا فيها حتى يتم الهضم و النضج ،بالحرارة التي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة،إذ من جانبها الأيمن الكبد،و من الأيسر الطحال و من قدام الترائب،و من خلف لحم الصلب،فتتعدى الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب،حتى ينطبخ الطعام و يصير مائعا متشابها ،يصلح للنفوذ في تجاويف العروق.و عند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه و رقته،و هو بعد لا يصلح للتغذية فخلق اللّه تعالى بينها و بين الكبد مجاري من العروق،و جعل لها فوهات كثيرة،حتى ينصب الطعام فيها،فينتهى إلى الكبد .
و الكبد معجون من طينة الدم حتى كأنه دم،و فيه عروق كثيرة شعرية منتشرة في أجزاء الكبد،فينصب الطعام الرقيق النافذ فيها،و ينتشر في أجزائها،حتى تستولى عليه قوة الكبد،فتصبغه بلون الدم،فيستقر فيها ريثما يحصل له نضج آخر ،و يحصل له هيئة الدم الصافي الصالح لغذاء الأعضاء.إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم.فيتولد من هذا الدم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ،إحداهما:شبيهة بالدردى و العكر و هو الخلط السوداوي،و الأخرى:شبيهة بالرغوة،و هي الصفراء .و لو لم تفصل عنها م ١٦:ثاني عشر:إحياء