إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
الأسباب.كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحركة و من لم يفعل هذا فقد كفر نعمة اللّه في سعة الأرض،إذ قال تعالى. أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا [١]الثاني:أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده.فيبدل التكلف بالتبذل، و زي الحشمة بزى التواضع.و كذلك كل هيئة،و حال،و فعل،في مسكن،و ملبس، و مطعم،و قيام،و قعود كان يعتاده،و فاء بمقتضى جاهه،فينبغي أن يبدلها بنقائضها،حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضده.فلا معنى للمعالجة إلا المضادة الثالث:أن يراعي في ذلك التلطف و التدريج،فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل،فإن الطبع نفور،و لا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج.فيترك البعض و يسلى نفسه بالبعض.ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية،و هكذا يفعل شيئا فشيئا،إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه.و إلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق و لا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى» و إليه الإشارة بقوله عليه السّلام[٢]«لا تشادّوا هذا الدّين فإنّ من يشادّه يغلبه» فإذا ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس،و عن الشهوة،و عن الجاه،أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات،فاتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل.فإن تفصيل الآحاد يطول.و من راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دونه،كما كان يشق عليه الصبر معه،فتنعكس أموره،فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا،و ما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه.و هذا لا يعرف إلا بالتجربة و الذوق.و له نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا،فيشق عليه الصبر عن اللعب،و الصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته و أنس بالعلم،انقلب الأمر،فصار يشق عليه الصبر عن العلم،
[١] النساء:٩٧