إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٥ - قسمة خامسة
و عفة،و عدالة.و لا يتم هذا في غالب الأمر إلا بالنوع الثاني.و هو الفضائل البدنية، و هي أربعة.الصحة،و القوة،و الجمال،و طول العمر.و لا تتهيأ هذه الأمور الأربعة إلا بالنوع الثالث،و هي النعم الخارجة المطيفة بالبدن،و هي أربعة:المال،و الأهل،و الجاه،و كرم العشيرة.و لا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجة و البدنية إلا بالنوع الرابع،و هي الأسباب التي تجمع بينها و بين ما يناسب الفضائل النفسية الداخلة،و هي أربعة:هداية اللّه، و رشده،و تسديده،و تأييده.فمجموع هذه النعم ستة عشر،إذ قسمناها إلى أربعة، و قسمنا كل واحدة من الأربعة إلى أربعة.و هذه الجملة يحتاج البعض منها إلى البعض،إما حاجة ضرورية،أو نافعة.أما الحاجة الضرورية فكحاجة سعادة الآخرة إلى الإيمان و حسن الخلق،إذ لا سبيل إلى الوصول إلى سعادة الآخرة البتة إلا بهما،فليس للإنسان إلا ما سعى،و ليس لأحد في الآخرة إلا ما تزود من الدنيا.فكذلك حاجة الفضائل النفسية تكسب هذه العلوم،و تهذيب الأخلاق إلى صحة البدن ضروري.و أما الحاجة النافعة على الجملة،فكحاجة هذه النعم النفسية و البدنية إلى النعم الخارجة،مثل المال،و العز،و الأهل فإن ذلك لو عدم ربما تطرق الخلل إلى بعض النعم الداخلة.فإن قلت:فما وجه الحاجة لطريق الآخرة إلى النعم الخارجة من المال،و الأهل،و الجاه و العشيرة؟فاعلم أن هذه الأسباب جارية مجرى الجناح المبلغ،و الآلة المسهلة للمقصود.أما المال،فالفقير في طلب العلم و الكمال و ليس له كفاية،كساع إلى الهيجاء بغير سلاح،و كبازى يروم الصيد بلا جناح و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١](نعم المال الصّالح للرّجل الصّالح)و قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«نعم العون على تقوى اللّه المال»و كيف لا.و من عدم المال صار مستغرق الأوقات في طلب الأقوات،و في تهيئة اللباس،و المسكن،و ضرورات المعيشة ثم يتعرض لأنواع من الأذى تشغله عن الذكر و الفكر،و لا تندفع إلا بسلاح المال.