إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣ - و المقصود أن للتوبة ثمرتين
فإياك و أن تلمح في الطاعات مجرد الآفات،فتفتر رغبتك عن العبادات،فإن هذه مكيدة روجها الشيطان بلعنته على المغرورين،و خيل إليهم أنهم أرباب البصائر،و أهل التفطن للخفايا و السرائر.فأي خير في ذكرنا باللسان مع غفلة القلب.فانقسم الخلق في هذه المكيدة إلى ثلاثة أقسام:ظالم لنفسه،و مقتصد،و سابق بالخيرات أما السابق،فقال صدقت يا ملعون،و لكن هي كلمة حق أردت بها باطلا .فلا جرم أعذبك مرتين،و أرغم أنفك من وجهين،فأضيف إلى حركة اللسان حركة القلب.
فكان كالذي داوى جرح الشيطان بنثر الملح عليه و أما الظالم المغرور،فاستشعر في نفسه خيلاء الفطنة لهذه الدقيقة،ثم عجز عن الإخلاص بالقلب،فترك مع ذلك تعويد اللسان بالذكر،فأسعف الشيطان،و تدلى بحبل غروره، فتمت بينهما المشاركة و الموافقة.كما قيل:وافق شن طبقه،وافقه فاعتنقه.
و أما المقتصد،فلم يقدر على إرغامه بإشراك القلب في العمل،و تفطن لنقصان حركة اللسان بالإضافة إلى القلب.و لكن اهتدى إلى كماله بالإضافة إلى السكوت و الفضول،فاستمر عليه،و سأل اللّه تعالى أن يشرك القلب مع اللسان في اعتياد الخير فكان السابق كالحائك الذي ذمت حياكته فتركها و أصبح كاتبا.و الظالم المتخلف كالذي ترك الحياكة أصلا و أصبح كناسا .و المقتصد كالذي عجز عن الكتابة فقال:لا أنكر مذمة الحياكة،و لكن الحائك مذموم بالإضافة إلى الكاتب لا بالإضافة إلى الكناس.فإذا عجزت عن الكتابة فلا أترك الحياكة و لذلك قالت رابعة العدوية.استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير .فلا تظن أنها تذم حركة اللسان من حيث إنه ذكر اللّه،بل تذم غفلة القلب.فهو محتاج إلى الاستغفار من غفلة قلبه لا من حركة لسانه.فإن سكت عن الاستغفار باللسان أيضا.احتاج إلى الاستغفارين لا إلى استغفار واحد فهكذا ينبغي أن تفهم ذم ما يذم،و حمد ما يحمد،و إلا جهلت معنى ما قال القائل الصادق:
حسنات الأبرار سيئات المقربين.فإن هذه أمور تثبت بالإضافة،فلا ينبغي أن تؤخذ من غير إضافة.بل ينبغي أن لا تستحقر ذرات الطاعات و المعاصي.و لذلك قال جعفر الصادق:
إن اللّه تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث:رضاه في طاعته،فلا تحقروا منها شيئا،فلعل رضاه فيه.