إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٨ - الطرف الثامن
ثم إن أصاب الحدقة غبار،فقد خلق أطراف الأجفان خادمة منطبقة على الحدقة، كالمصقلة للمرآة،فيطبقها مرة أو مرتين،و قد انصقلت الحدقة من الغبار،و خرجت الأقذاء إلى زوايا العين و الأجفان .و الذباب لما لم يكن لحدقته جفن،خلق له يدين فتراه على الدوام يمسح بهما حدقتيه ليصقلهما من الغبار.و إذ تركنا الاستقصاء لتفاصيل النعم لافتقاره إلى تطويل يزيد على أصل هذا الكتاب،و لعلنا نستأنف له كتابا مقصودا فيه إن أمهل الزمان و ساعد التوفيق،نسميه عجائب صنع اللّه تعالى،فلنرجع إلى غرضنا فنقول:
من نظر إلى غير محرم فقد كفر بفتح العين نعمة اللّه تعالى في الأجفان.و لا تقوم الأجفان إلا بعين،و لا العين إلا برأس،و لا الرأس إلا بجميع البدن،و لا البدن إلا بالغذاء و لا الغذاء إلا بالماء،و الأرض،و الهواء،و المطر،و الغيم،و الشمس،و القمر،و لا يقوم شيء من ذلك إلا بالسموات،و لا السموات إلا بالملائكة،فإن الكل كالشيء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض.فإذا قد كفر كل نعمة في الوجود،من منتهى الثريا إلى منتهى الثرى،فلم يبق فلك؟و لا ملك،و لا حيوان،و لا نبات،و لا جماد إلا و يلعنه.و لذلك ورد في الأخبار[١]أن البقعة التي يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم إذا تفرقوا أو تستغفر لهم .و كذلك ورد[٢]أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر[٣] و أن الملائكة يلعنون العصاة،في ألفاظ كثيرة لا يمكن إحصاؤها.و كل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة جنى على جميع ما في الملك و الملكوت،و قد أهلك نفسه،إلا أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها ،فيتبدل اللعن بالاستغفار،فعسى اللّه أن يتوب عليه و يتجاوز عنه و أوحى اللّه تعالى إلى أيوب عليه السّلام.يا أيوب،ما من عبد لي من الآدميين إلا و معه ملكان،فإذا شكرني على نعمائي قال الملكان اللهم زده نعما على نعم فإنك أهل الحمد و الشكر،فكن من الشاكرين قريبا،فكفى بالشاكرين علو رتبة عندي أنى أشكر شكرهم،و ملائكتي يدعون لهم،و البقاع تحبهم،و الآثار تبكي عليهم .