إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٠ - بيان
الهواء،و لو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا،و لو حبسوا في بيت حمام فيه هواء حار،أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء،ماتوا غما.فإن ابتلى واحد منهم بشيء من ذلك ثم نجا،ربما قدّر ذلك نعمة،و شكر اللّه عليها.و هذا غاية الجهل.إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ،ثم ترد عليهم في بعض الأحوال.و النعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها.فلا ترى البصير يشكر صحة بصره إلا أن تعمى عينه،فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحس به و شكره،و عده نعمة.و لما كانت رحمة اللّه واسعة،عمم الخلق،و بذل لهم في جميع الأحوال،فلم يعده الجاهل نعمة.و هذا الجاهل مثل العبد السوء، حقه أن يضرب دائما،حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة.فإن ترك ضربه على الدوام غلبه البطر،و ترك الشكر:فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة و القلة،و ينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم ،كما شكا بعضهم فقره إلى بعض أرباب البصائر،و أظهر شدة اغتمامه به،فقال له أ يسرك أنك أعمى و لك عشرة آلاف درهم؟ فقال لا.فقال أ يسرك أنك أخرس و لك عشرة آلاف درهم؟فقال لا.فقال أ يسرك أنك أقطع اليدين و الرجلين و لك عشرون ألفا؟فقال لا.فقال أ يسرك أنك مجنون و لك عشرة آلاف درهم؟فقال لا.فقال أما تستحي أن تشكو مولاك و له عندك عروض بخمسين ألفا.
و حكي أن بعض القراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك من القرءان سورة الأنعام و أن لك ألف دينار؟قال لا.قال فسورة هود؟ قال لا.قال فسورة يوسف؟قال لا.فعدد عليه سورا ثم قال.فمعك قيمة مائة ألف دينار و أنت تشكو!فأصبح و قد سرى عنه.و دخل ابن السماك على بعض الخلفاء و بيده كوز ماء يشربه.فقال له:عظني.فقال:لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك، و إلا بقيت عطشان،فهل كنت تعطيه؟قال نعم.فقال لو لم تعط إلا بملكك كله،فهل كنت تتركه؟قال نعم.قال.فلا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء.فبهذا تبين أن نعمة اللّه تعالى على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها.و إذا كانت الطباع مائلة إلى اعتداد النعمة الخاصة نعمة دون العامة،و قد ذكرنا النعم العامة،فلنذكر إشارة وجيزة إلى النعم الخاصة فنقول.ما من عبد إلا و لو أمعن النظر في أحواله،رأى من اللّه