إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٤ - بيان
يديه ركعا سجدا.فشكرنا إياه بما لا حظ له فيه،يضاهي شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا،أو نسجد أو نركع،إذ لا حظ للملك فيه و هو غائب لا علم له،و لا حظ للّٰه تعالى في أفعالنا كلها.الوجه الثاني :أن كل ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى من نعم اللّه علينا.إذ جوارحنا،و قدرتنا،و إرادتنا،و داعيتنا،و سائر الأمور التي هي أسباب حركتنا من خلق اللّه تعالى و نعمته.فكيف نشكر نعمة بنعمة!و لو أعطانا الملك مركوبا،فأخذنا مركوبا آخر له و ركبناه،أو أعطانا الملك مركوبا آخر،لم يكن الثاني شكرا للأول منا، بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول.ثم لا يمكن شكر الشكر إلا بنعمة أخرى فيؤدى إلى أن يكون الشكر محالا في حق اللّه تعالى من هذين الوجهين.و لسنا نشك في الأمرين جميعا.و الشرع قد ورد به .فكيف السبيل إلى الجمع؟فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السّلام،و كذلك لموسى عليه السّلام،فقال:يا رب كيف أشكرك؟و أنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك؟و في لفظ آخر.و شكرى لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك.فأوحى اللّه تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني.و في خبر آخر:إذا عرفت أن النعمة منى رضيت منك بذلك شكرا .فإن قلت:فقد فهمت السؤال ،و فهمى قاصر عن إدراك معنى ما أوحي إليهم،فإنى أعلم استحالة الشكر اللّه تعالى.فأما كون العلم باستحالة الشكر شكرا فلا أفهمه.فإن هذا العلم أيضا نعمة منه.
فكيف صار شكرا؟و كأن الحاصل يرجع إلى أن من لم يشكر فقد شكر.و أن قبول الخلعة الثانية من الملك شكرا للخلعة الأولى.و الفهم قاصر عن درك السر فيه.فإن أمكن تعريف ذلك بمثال فهو مهم في نفسه.فاعلم:أن هذا قرع باب من المعارف،و هي أعلى من علوم المعاملة.و لكنا نشير منها إلى ملامح و نقول.هاهنا نظران:نظر بعين التوحيد المحض،و هذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر،و أنه المشكور ،و أنه المحب،و أنه المحبوب و هذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره،و أن كل شيء هالك إلا وجهه،و أن ذلك صدق في كل حال أزلا و أبدا.لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام.و مثل هذا الغير لا وجود له،بل هو محال أن يوجد.إذ الموجود المحقق هو القائم بنفسه .و ما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود.بل هو قائم بغيره،فهو موجود بغيره.فإن