إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨ - فإن قلت فما علاج الأسباب الخمسة ؟
بعقلي أن يكون قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عندي،دون قول نصرانى يدعى الطب لنفسه بلا معجزة على طبّه،و لا يشهد له إلا عوام الخلق ؟و كيف يكون عذاب النار عندي أخف من عذاب المرض،و كل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا! و بهذا التفكر بعينه يعالج اللذة الغالبة عليه،و يكلف نفسه تركها،و يقول إذا كنت لا أقدر على ترك لذاتي أيام العمر و هي أيام قلائل،فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد!و إذا كنت لا أطيق ألم الصبر، فكيف أطيق ألم النار!و إذا كنت لا أصبر عن زخارف الدنيا مع كدوراتها و تنغصها و امتزاج صفوها بكدرها،فكيف أصبر عن نعيم الآخرة!.و أما تسويف التوبة فيعالجه بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف،لأن المسوّف يبنى الأمر على ما ليس إليه و هو البقاء فلعله لا يبقى.و إن بقي فلا يقدر على الترك غدا كما لا يقدر عليه اليوم.فليت شعري هل عجز في الحال إلا لغلبة الشهوة؟و الشهوة ليست تفارقه غدا بل تتضاعف،إذ تتأكد بالاعتياد.فليست الشهوة التي أكدها الإنسان بالعادة كالتي لم يؤكدها.و عن هذا هلك المسوّفون،لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين و لا يظنون أن الأيام متشابهة في أن ترك الشهوات فيها أبدا شاق،و ما مثال المسوّف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة،فقال:أؤخرها سنة ثم أعود إليها،و هو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها ،و هو كلما طال عمره ازداد ضعفه.فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته،إذ عجز مع قوته عن مقاومة ضعيف.فأخذ ينتظر الغلبة عليه إذا ضعف هو في نفسه و قوى الضعيف.و أما المعنى الرابع،و هو انتظار عفو اللّه تعالى، فعلاجه ما سبق.و هو كمن ينفق جميع أمواله و يترك نفسه و عياله فقراء.منتظرا من فضل اللّه تعالى أن يرزقه العثور على كنز في أرض خربة.فإن إمكان العفو عن الذنب مثل هذا الإمكان.و هو مثل من يتوقع النهب من الظلمة في بلده،و ترك ذخائر أمواله في صحن داره،و قدر على دفنها و إخفائها فلم يفعل،و قال:أنتظر من فضل اللّه تعالى أن يسلط غفلة أو عقوبة على الظالم الناهب،حتى لا يتفرغ إلى دارى،أو إذا انتهى إلى دارى مات على باب الدار،فإن الموت ممكن،و الغفلة ممكنة،و قد حكي في الأسمار أن مثل ذلك وقع،فأنا أنتظر من فضل اللّه مثله.فمنتظر هذا منتظر أمر ممكن،و لكنه في غاية الحماقة و الجهل، إذ قد لا يمكن و لا يكون.و أما الخامس و هو شك فهذا كفر.و علاجه الأسباب التي تعرفه صدق الرسل.و ذلك يطول .و لكن يمكن أن يعالج بعلم قريب يليق بحد عقله