إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٦ - قسمة خامسة
تم مع ذلك يحرم عن فضيلة الحج،و الزكاة،و الصدقات،و إفاضة الخيرات.و قال بعض الحكماء،و قد قيل له ما النعيم؟فقال الغنى.فإنى رأيت الفقير لا عيش له.قيل زدنا.قال الأمن فإنى رأيت الخائف لا عيش له.قيل زدنا قال العافية.فإنى رأيت المريض لا عيش له.قيل زدنا.قال الشباب.فإنى رأيت الهرم لا عيش له.و كأن ما ذكره إشارة إلى نعيم الدنيا،و لكن من حيث إنه معين على الآخرة فهو نعمة.لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها» و أما الأهل و الولد الصالح،فلا يخفى وجه الحاجة إليهما.إذ قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢] «نعم العون على الدّين المرأة الصّالحة»و قال صلّى اللّه عليه و سلم في الولد[٣]«إذا مات العبد انقطع عمله إلاّ من ثلاث ولد صالح يدعو له»الحديث و قد ذكرنا فوائد الأهل و الولد في كتاب النكاح.و أما الأقارب فمهما كثر أولاد الرجل و أقاربه،كانوا له مثل الأعين و الأيدي،فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية المهمة في دينه،ما لو انفرد به لطال شغله،و كل ما يفرغ قلبك عن ضرورات الدنيا فهو معين لك على الدين،فهو إذا نعمة و أما العز و الجاه،فبه يدفع الإنسان عن نفسه الذل و الضيم،و لا يستغنى عنه مسلم، فإنه لا ينفك عن عدو يؤذيه،و ظالم يشوش عليه علمه،و عمله،و فراغه،و يشغل قلبه، و قلبه رأس ماله.و إنما تندفع هذه الشواغل بالعز و الجاه.و لذلك قيل.الدين و السلطان توأمان.قال تعالى وَ لَوْ لاٰ دَفْعُ اللّٰهِ النّٰاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [١]و لا معنى للجاه إلا ملك القلوب كما لا معنى للغني إلا ملك الدراهم.و من ملك الدراهم تسخرت له أرباب القلوب لدفع الأذى عنه.فكما يحتاج الإنسان إلى سقف يدفع عنه المطر،وجبة تدفع عنه البرد،و كلب يدفع الذئب عن ماشيته،فيحتاج أيضا إلى من يدفع الشّر به عن نفسه.و على هذا القصد كان
[١] البقرة:٥٢١