إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥ - بيان
بخط إلهي لا حرف فيه و لا صوت،الذي لا يدرك بعين البصر بل بعين البصيرة،أخبر هؤلاء العاجزين بكلام سمعوه من رسوله صلّى اللّه عليه و سلم،حتى وصل إليهم بواسطة الحرف و الصوت المعنى الذي عجزوا عن إدراكه،فقال تعالى وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاٰ يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ [١].و كل من اتخذ من الدراهم و الدنانير آنية من ذهب أو فضة،فقد كفر النعمة،و كان أسوأ حالا ممن كنز.لأن مثال هذا مثال من استسخر حاكم البلد في الحياكة،و المكس،و الأعمال التي يقوم بها أخساء الناس:و الحبس أهون منه.و ذلك أن الخزف،و الرصاص،و النحاس،تنوب مناب الذهب و الفضة في حفظ المائعات عن أن تتبدد.و إنما الأواني لحفظ المائعات.و لا يكفي الخزف و الحديد في المقصود الذي أريد به النقود.فمن لم ينكشف له هذا،انكشف له بالترجمة الإلهية و قيل له[١]«من شرب في آنية من ذهب أو فضّة فكأنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم» و كل من عامل معاملة الربا على الدراهم و الدنانير فقد كفر النعمة و ظلم،لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما،إذ لا غرض في عينهما.فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة،إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم.و من معه ثوب و لا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشترى به طعاما و دابة،إذ ربما لا يباع الطعام و الدابة بالثوب،فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد،فيتوصل به إلى مقصوده،فإنهما وسيلتان إلى الغير لا غرض في أعيانهما.و موقعهما في الأموال كموقع الحرف من الكلام،كما قال النحويون:
إن الحرف هو الذي جاء لمعنى في غيره.و كموقع المرآة من الألوان فأما من معه نقد، فلو جاز له أن يبيعه بالنقد،فيتخذ التعامل على النقد غاية عمله،فيبقى النقد مقيدا عنده،و ينزل منزلة المكنوز.و تقييد الحاكم و البريد الموصل إلى الغير ظلم،كما أن حبسه ظلم.فلا معنى لبيع النقد بالنقد إلا اتخاذ النقد مقصودا للادخار،و هو ظلم فإن قلت فلم جاز بيع أحد النقدين بالآخر؟و لم جاز بيع الدرهم بمثله؟فاعلم أن أحد
[١] التوبة:٣٤