إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٢ - بيان
أو باستعمالها في مكارهه.و لتمييز ما يحبه اللّه تعالى عما يكرهه مدركان.أحدهما:السمع، و مستنده الآيات و الأخبار ،و الثاني:بصيرة القلب،و هو النظر بعين الاعتبار.و هذا الأخير عسير،و هو لأجل ذلك عزيز.فلذلك أرسل اللّه تعالى الرسل،و سهل بهم الطريق على الخلق.و معرفة ذلك تنبنى على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد.فمن لا يطلع على أحكام الشرع في جميع أفعاله،لم يمكنه القيام بحق الشكر أصلا.
و أما الثاني:و هو النظر بعين الاعتبار،فهو إدراك حكمة اللّه تعالى في كل موجود خلقه.إذ ما خلق شيئا في العالم إلا و فيه حكمة،و تحت الحكمة مقصود،و ذلك المقصود هو المحبوب.و تلك الحكمة منقسمة إلى جلية و خفية.أما الجلية،فكالعلم بأن الحكمة في خلق الشمس أن يحصل بها الفرق بين الليل و النهار،فيكون النهار معاشا،و الليل لباسا فتتيسر الحركة عند الإبصار،و السكون عند الاستتار.فهذا من جملة حكم الشمس،لا كل الحكم فيها.بل فيها حكم أخرى كثيرة دقيقة.و كذلك معرفة الحكمة في الغيم و نزول الأمطار،و ذلك لانشقاق الأرض بأنواع الثبات مطعما للخلق،و مرعى للأنعام.و قد انطوى القرءان على جملة من الحكم الجلية التي تحملها أفهام الخلق،دون الدقيق الذي يقصرون عن فهمه إذ قال تعالى أَنّٰا صَبَبْنَا الْمٰاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا حَبًّا وَ عِنَباً [١]الآية و أما الحكمة في سائر الكواكب،السيارة منها و الثوابت،فخفية لا يطلع عليها كافة الخلق.و القدر الذي يحتمله فهم الخلق أنها زينة للسماء،لتستلذ العين بالنظر إليها،و أشار إليه قوله تعالى إِنّٰا زَيَّنَّا السَّمٰاءَ الدُّنْيٰا بِزِينَةٍ الْكَوٰاكِبِ [٢]فجميع أجزاء العالم،سماؤه و كواكبه،و رياحه،و بحاره،و جباله،و معادنه،و نباته،و حيواناته،و أعضاء حيواناته لا تخلو ذرة من ذراته عن حكم كثيرة،من حكمة واحدة،إلى عشرة،إلى ألف،إلى عشرة آلاف و كذا أعضاء الحيوان تنقسم إلى ما يعرف حكمتها،كالعلم بأن العين للإبصار لا للبطش، و اليد للبطش لا للمشي،و الرجل للمشي لا للشم.فأما الأعضاء الباطنة من الأمعاء،و المرارة و الكبد،و الكلية،و آحاد العروق،و الأعصاب،و العضلات،و ما فيها من التجاويف، و الالتفاف،و الاشتباك،و الانحراف،و الدقة،و الغلظ،و سائر الصفات،فلا يعرف
[١] عبس:من ٢٥ إلى ٢٨
[٢] الصفات:٦