إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٠ - بيان
الإشكال الأول.و هو أنه إذا لم يكن للمشكور حظ فكيف يكون الشكر و بهذا أيضا ينحل الثاني.فإنا لم نعن بالشكر إلا انصراف نعمة اللّه في جهة محبة اللّه.
فإذا انصرفت النعمة في جهة المحبة بفعل اللّه،فقد حصل المراد.و فعلك عطاء من اللّه تعالى و من حيث أنت محله فقد أثنى عليك،و ثناؤه نعمة أخرى منه إليك.فهو الذي أعطى، و هو الذي أثنى.و صار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبته.فله الشكر على كل حال،و أنت موصوف بأنك شاكر،بمعنى أنك محل المعنى الذي الشكر عبارة عنه، لا بمعنى أنك موجد له كما أنك موصوف بأنك عارف و عالم،لا بمعنى أنك خالق للعلم و موجده و لكن بمعنى أنك محل له ،و قد وجد بالقدرة الأزلية فيك.فوصفك بأنك شاكر إثبات شيئية إليك،و أنت شيء إذ جعلك خالق الأشياء شيئا.و إنما أنت لا شيء إذا كنت أنت ظانا لنفسك شيئا من ذاتك.فأما باعتبار النظر إلى الذي جعل الأشياء أشياء ،فأنت شيء إذ جعلك شيئا.فإن قطع النظر عن جعله كنت لا شيء تحقيقا.و إلى هذا أشار صلّى اللّه عليه و سلم حيث قال[١]«اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»لما قيل له:يا رسول اللّه ففيم العمل إذا كانت الأشياء قد فرغ منها من قبل؟ فتبين أن الخلق مجاري قدرة اللّه تعالى.و محل أفعاله،و إن كانوا هم أيضا من أفعاله.
و لكن يعض أفعاله محل للبعض.و قوله«اعملوا »و إن كان جاريا على لسان الرسول صلّى اللّه عليه و سلم،فهو فعل من أفعاله.و هو سبب لعلم الخلق أن العمل نافع،و علمهم فعل من أفعال اللّه تعالى.و العلم سبب لانبعاث داعية جازمة إلى الحركة و الطاعة.و انبعاث الداعية أيضا من أفعال اللّه تعالى.و هو سبب لحركة الأعضاء،و هي أيضا من أفعال اللّه تعالى و لكن بعض أفعاله سبب للبعض.أي الأول شرط للثاني،كما كان خلق الجسم سببا لخلق العرض،إذ لا يخلق العرض قبله.و خلق الحياة شرط لخلق العلم.و خلق العلم شرط لخلق الإرادة.و الكل من أفعال اللّه تعالى،و بعضها سبب للبعض.أي هو شرط و معنى كونه شرطا أنه لا يستعد لقبول فعل الحياة إلا جوهر،و لا يستعد لقبول العلم إلا ذو حياة، و لا لقبول الإرادة إلا ذو علم.فيكون بعض أفعاله سببا للبعض بهذا المعنى،لا بمعنى أن بعض أفعاله موجد لغيره،بل ممهد شرط الحصول لغيره.و هذا إذا حقق ارتقى إلى درجة التوحيد الذي ذكرناه