إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠ - النوع الثالث أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب
يوسف؟قال لا.قال لقولك لإخوته أخاف أن يأكله الذئب و أنتم عنه غافلون لم خفت عليه الذئب و لم ترجنى ؟و لم نظرت إلى غفلة إخوته و لم تنظر إلى حفظى له؟و تدري لم رددته عليك؟قال لا.قال لأنك رجوتني و قلت عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [١]و بما قلت اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لاٰ تَيْأَسُوا [٢]و كذلك لما قال يوسف لصاحب الملك اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [٣]قال اللّه تعالى فَأَنْسٰاهُ الشَّيْطٰانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [٤].و أمثال هذه الحكايات لا تنحصر .و لم يرد بها القرءان و الأخبار ورود الأسمار ،بل الغرض بها الاعتبار و الاستبصار،لتعلم أن الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوز عنهم في الذنوب الصغار،فكيف يتجاوز عن غيرهم في الذنوب الكبار!نعم كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة و لم يؤخروا إلى الآخرة.و الأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما،و لأن عذاب الآخرة أشد و أكبر،فهذا أيضا مما ينبغي أن يكثر جنسه على أسماع المصرين،فإنه نافع في تحريك دواعي التوبة
النوع الثالث:أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة في الدنيا متوقع على الذنوب
و أن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته.فرب عبد يتساهل في أمر الآخرة، و يخاف من عقوبة اللّه في الدنيا أكثر لفرط جهله.فينبغي أن يخوّف به.فإن الذنوب كلها يتعجل في الدنيا شؤمها في غالب الأمر.كما حكي في قصة داود و سليمان عليهما السلام.
حتى أنه قد يضيق على العبد رزقه بسبب ذنوبه.و قد تسقط منزلته من القلوب و يستولى عليه أعداؤه.قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ العبد ليحرم الرّزق بالذّنب يصيبه» و قال ابن مسعود.إنى لأحسب أن العبد ينسى العلم بالذنب يصيبه و هو معنى قوله عليه السّلام[٢]«من قارف ذنبا فارقه عقل لا يعود إليه أبدا »و قال بعض السلف:ليست اللعنة سوادا في الوجه،و نقصا في المال،إنما اللعنة أن لا تخرج من ذنب إلا وقعت في مثله
[١] يوسف:٨٣
[٢] يوسف:٨٧
[٣] يوسف:٤٢
[٤] يوسف:٤٢