إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٢ - الطرف الثالث
الفضلتان فسد مزاج الأعضاء.فخلق اللّه تعالى المرارة و الطحال،و جعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد،داخلا في تجويفه.فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية،و يجذب الطحال العكر السوداوي.فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة و رطوبة،لما فيه من المائية.و لولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية،و لا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء فخلق اللّه سبحانه الكليتين،و أخرج من كل واحدة منهما عنقا طويلا إلى الكبد .و من عجائب حكمة اللّه تعالى أن عنقهما ليس داخلا في تجويف الكبد،بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد،حتى يجذب ما يليها بعد الطلوع من العروق الدقيقة التي في الكبد.إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ و لم يخرج من العروق.فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاث،نقيا من كل ما يفسد الغذاء.ثم إن اللّه تعالى أطلع من الكبد عروقا،ثم قسمها بعد الطلوع أقساما،و شعب كل قسم بشعب،و انتشر ذلك في البدن كله من الفرق إلى القدم ظاهرا و باطنا،فيجري الدم الصافي فيها ،و يصل إلى سائر الأعضاء،حتى تصير العروق المنقسمة شعرية كعروق الأوراق و الأشجار،بحيث لا تدرك بالأبصار،فيصل منها الغذاء بالرشح إلى سائر الأعضاء.و لو حلت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصفراوية فسد الدم،و حصل منه الأمراض الصفراوية،كاليرقان و البثور و الحمرة .و إن حلت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السوداوي،حدثت الأمراض السوداوية،كالبهق و الجذام و الماليخوليا و غيرها.و إن لم تندفع المائية نحو الكلا حدث منه الاستسقاء و غيره.ثم انظر إلى حكمة الفاطر الحكيم،كيف رتب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسيسة،أما المرارة فإنها تجذب بأحد عنقيها،و تقذف بالعنق الآخر إلى الأمعاء ،ليحصل له في ثفل الطعام رطوبة مزلقة، و يحدث في الأمعاء لذع يحركها للدفع،فتنضغط حتى يندفع الثفل و ينزلق،و تكون صفرته لذلك و أما الطحال فإنه يحيل تلك الفضلة إحالة يحصل بها فيه حموضة و قبض،ثم يرسل منها في كل يوم شيئا إلى فم المعدة،فيحرك الشهوة بحموضته،و ينبهها و يثيرها،و يخرج الباقي مع الثفل و أما الكلية فإنها تغتذي بما في تلك المائية من دم،و ترسل الباقي إلى المثانة و لنقتصر على هذا القدر من بيان نعم اللّه تعالى في الأسباب التي أعدت للأكل.و لو ذكرنا كيفية احتياج الكبد إلى القلب و الدماغ،و احتياج كل واحد من هذه الأعضاء