إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٨ - القسمة الأولى
بيان
حقيقة النعمة و أقسامها
اعلم أن كل خير و لذة و سعادة،بل كل مطلوب و مؤثر فإنه يسمى نعمة.و لكن النعمة بالحقيقة هي السعادة الأخروية.و تسمية ما سواها نعمة و سعادة إما غلط،و إما مجاز كتسمية السعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة نعمة،فإن ذلك غلط محض.و قد يكون اسم النعمة للشيء صدقا ،و لكن يكون إطلاقه على السعادة الأخروية أصدق.فكل سبب يوصل إلى سعادة الآخرة و يعين عليها،إما بواسطة واحدة أو بوسائط،فإن تسميته نعمة صحيحة و صدق،لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقة.و الأسباب المعينة،و اللذات المسماة نعمة،نشرحها بتقسيمات.
القسمة الأولى
أن.الأمور كلها بالإضافة إلينا تنقسم إلى ما هو نافع في الدنيا و الآخرة جميعا،كالعلم و حسن الخلق،و إلى ما هو ضار فيهما جميعا،كالجهل و سوء الخلق،و إلى ما ينفع في الحال و يضر في المآل،كالتلذذ باتباع الشهوات و إلى ما يضر في الحال و يؤلم و لكن ينفع في المآل،كقمع الشهوات و مخالفة النفس فالنافع في الحال و المآل هو النعمة تحقيقا.كالعلم و حسن الخلق.و الضار فيهما من البلاء تحقيقا،و هو ضدهما .و النافع في الحال المضر في المآل بلاء محض عند ذوي البصائر و تظنه الجهال نعمة.و مثاله الجائع إذا وجد عسلا فيه سم،فإنه يعده نعمة إن كان جاهلا و إذا علمه علم أن ذلك بلاء سيق إليه.و الضار في الحال النافع في المآل نعمة عند ذوي الألباب بلاء عند الجهال.و مثاله الدواء البشع في الحال مذاقه،إلا أنه شاف من الأمراض و الأسقام و جالب للصحة و السلامة.فالصبي الجاهل إذا كلف شربه ظنه بلاء،و العاقل يعده نعمة و يتقلد المنة ممن يهديه إليه،و يقربه منه،و يهيء له أسبابه.فلذلك تمنع الأم ولدها من الحجامة ،و الأب يدعوه إليها،فإن الأب لكمال عقله يلمح العاقبة،و الأم لفرط حبها و قصورها تلحظ الحال،و الصبي لجهله يتقلد منّة من أمه دون أبيه،و يأنس إليها و إلى شفقتها و يقدر الأب عدوّا له.و لو عقل لعلم أن الأم عدو باطنا في صورة صديق،لأن منعها إياه من الحجامة يسوقه إلى أمراض و آلام أشد من الحجامة و لكن الصديق الجاهل شر من العدو العاقل.