إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - الضرب الأول الطاعة
و في بدنه ببذل المعونة للخلق،و في لسانه ببذل الصدق.و كذلك في سائر ما أنعم اللّه به عليه و هذا الصبر متصل بالشكر،فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر كما سيأتي .و إنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة.و من العصمة أن لا تقدر.و الصبر على الحجامة و الفصد إذا تولاه غيرك،أيسر من الصبر على فصدك نفسك و حجامتك نفسك.و الجائع عند غيبة الطعام،أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيبة اللذيذة و قدر عليها.فلهذا عظمت فتنة السراء
النوع الثاني:ما لا يوافق الهوى و الطبع.
و ذلك لا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد، كالطاعات و المعاصي،أو لا يرتبط باختياره،كالمصائب و النوائب،أولا يرتبط باختياره و لكن له اختيار في إزالته،كالتشفى من المؤذي بالانتقام منه.فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول:ما يرتبط باختياره
،و هو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية.و هما ضربان.
الضرب الأول:الطاعة.
و العبد يحتاج إلى الصبر عليها.فالصبر على الطاعة شديد،لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية،و تشتهي الربوبية.و لذلك قال بعض العارفين:ما من نفس إلا و هي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ [١]و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا فأظهره،إذ استخف قومه فأطاعوه .و ما من أحد إلا و هو يدعى ذلك مع عبده،و خادمه، و أتباعه،و كل من هو تحت قهره و طاعته،و إن كان ممتنعا من إظهاره.فإن استشاطته و غيظه عند تقصيرهم في خدمته،و استبعاده ذلك،ليس يصدر إلا عن إضمار الكبر،و منازعة الربوبية في رداء الكبرياء،فإذا العبودية شاقة على النفس مطلقا.ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة و منها ما يكره بسبب البخل كالزكاة.و منها ما يكره بسببهما جميعا كالحج و الجهاد.فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد و يحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال .
الأولى.قبل الطاعة،و ذلك في تصحيح النية،و الإخلاص و الصبر عن شوائب الرياء و دواعي الآفات،و عقد العزم على الإخلاص و الوفاء و ذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية،و الإخلاص،و آفات الرياء،و مكايد النفس.و قد نبه عليه.صلوات اللّه عليه إذ قال[١]«إنّما الأعمال بالنّيّات و إنّما لكلّ امرئ ما نوى»و قال تعالى
[١] النازعات:٣٢