إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٧ - الطرف الرابع
لغذائها.و لو تركتها في الماء لم تزد.و لو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد.بل لا بد من أرض فيها ماء،يمتزج ماؤها بالأرض فيصير طينا.و إليه الإشارة بقوله تعالى فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسٰانُ إِلىٰ طَعٰامِهِ أَنّٰا صَبَبْنَا الْمٰاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا حَبًّا وَ عِنَباً وَ قَضْباً وَ زَيْتُوناً [١]ثم لا يكفي الماء و التراب.إذ لو تركت في أرض ندية،صلبة متراكمة.لم تنبت لفقد الهواء.فيحتاج إلى تركها في أرض رخوة متخلخلة،يتغلغل الهواء إليها.ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه،فيحتاج إلى ريح تحرك الهواء و تضربه بقهر و عنف على الأرض حتى ينفذ فيها و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ أَرْسَلْنَا الرِّيٰاحَ لَوٰاقِحَ [٢]و إنما إلقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء و الماء و الأرض.ثم كل ذلك لا يغنيك لو كان في برد مفرط،و شتاء شات فتحتاج إلى حرارة الربيع و الصيف.فقد بان احتياج غذائه إلى هذه الأربعة.فانظر إلى ما ذا يحتاج كل واحد.إذ يحتاج الماء لينساق إلى أرض الزراعة من البحار،و العيون، و الأنهار،و السواقى.فانظر كيف خلق اللّه البحار،و فجر العيون،و أجرى منها الأنهار ثم الأرض ربما تكون مرتفعة،و المياه لا ترتفع إليها ،فانظر كيف خلق اللّه تعالى الغيوم و كيف سلط الرياح عليها لتسوقها بإذنه إلى أقطار الأرض،و هي سحب ثقال حوامل بالماء ثم انظر كيف يرسله مدرارا على الأراضى في وقت الربيع و الخريف على حسب الحاجة.
و انظر كيف خلق الجبال حافظة للمياه،تتفجر منها العيون تدريجا.فلو خرجت دفعة لغرقت البلاد،و هلك الزرع و المواشي.و نعم اللّه في الجبال،و السحاب،و البحار، و الأمطار،لا يمكن إحصاؤها.و أما الحرارة فإنها لا تحصل بين الماء و الأرض،و كلاهما باردان،فانظر كيف سخر الشمس،و كيف خلقها مع بعدها عن الأرض مسخنة للأرض في وقت دون وقت،ليحصل البرد عند الحاجة إلى البرد،و الحر عند الحاجة إلى الحر.فهذه إحدى حكم الشمس.و الحكم فيها أكثر من أن تحصى.ثم النبات إذا ارتفع عن الأرض كان في الفواكه انعقاد و صلابة،فتفتقر إلى رطوبة تنضجها،فانظر كيف خلق القمر و جعل من خاصيته الترطيب،كما جعل من خاصية الشمس التسخين،فهو ينضج الفواكه و يصبغها بتقدير الفاطر الحكيم .و لذلك لو كانت الأشجار في ظل يمنع شروق
[١] عبس:٢٤-٢٩
[٢] الحجر:٢٢