إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٨ - الطرف الرابع
الشمس و القمر و سائر الكواكب عليها،لكانت فاسدة ناقصة،حتى أن الشجرة الصغيرة تفسد إذا ظللتها شجرة كبيرة.و تعرف ترطيب القمر بأن تكشف رأسك له بالليل،فتغلب على رأسك الرطوبة التي يعبر عنها بالزكام.فكما يرطب رأسك يرطب الفاكهة أيضا.
و لا نطول فيما لا مطمع في استقصائه،بل نقول كل كوكب في السماء فقد سخر لنوع فائدة كما سخرت الشمس للتسخين و القمر للترطيب.فلا يخلو واحد منها عن حكم كثيرة لا تفي قوّة البشر بإحصائها.و لو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا و باطلا،و لم يصح قوله تعالى رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً [١]و قوله عز و جل وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ [٢]و كما أنه ليس في أعضاء بدنك عضو إلا لفائدة،فليس في أعضاء بدن العالم عضو إلا لفائدة.و العالم كله كشخص واحد،و آحاد أجسامه كالأعضاء له،و هي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك.و شرح ذلك يطول.و لا ينبغي أن تظن أن الإيمان بأن النجوم،و الشمس،و القمر،مسخرات بأمر اللّه سبحانه في أمور جعلت أسبابا لها بحكم الحكمة مخالف للشرع،لما ورد فيه من[١]النهى عن تصديق المنجمين،و عن علم النجوم .بل المنهي عنه في النجوم أمران:
أحدهما:أن تصدق بأنها فاعلة لآثارها،مستقلة بها،و أنها ليست مسخرة تحت تدبير مدبر خلقها و قهرها،و هذا كفر.و الثاني:تصديق المنجمين في تفصيل ما يخبرون عنه من الآثار التي لا يشترك كافة الخلق في دركها،لأنهم يقولون ذلك عن جهل.فإن علم أحكام النجوم كان معجزة لبعض الأنبياء عليهم السّلام،ثم اندرس ذلك العلم،فلم يبق إلا ما هو مختلط لا يتميز فيه الصواب عن الخطأ.فاعتقاد كون الكواكب أسبابا لآثار تحصل بخلق اللّه تعالى في الأرض،و في النبات،و في الحيوان ليس قادحا في الدين .بل هو حق.
[١] آل عمران:١٩١
[٢] الدخان:٣٨