إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - قسمة خامسة
العهد طولا،و تزداد مثل هذه القلوب قلة،إلى أن تقرب الساعة،و يقضى اللّه أمرا كان مفعولا.و إنما وجب أن يكون هذا نادرا لأنه مبادى ملك الآخرة،و الملك عزيز،و الملوك لا يكثرون،فكما لا يكون الفائق في الملك و الجمال إلا نادرا،و أكثر الناس من دونهم،فكذا في ملك الآخرة،فإن الدنيا مرآة الآخرة،فإنها عبارة عن عالم الشهادة،و الآخر عبارة عن عالم الغيب،و عالم الشهادة تابع لعالم الغيب،كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة،و الصورة في المرآة و إن كانت هي الثانية في رتبة الوجود،فإنها أولى في حق رؤيتك.فإنك لا ترى نفسك،و ترى صورتك في المرآة أولا،فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة.فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة، و انقلب المتأخر متقدما.و هذا نوع من الانعكاس.و لكن الانعكاس و الانتكاس ضرورة هذا العالم.فكذلك عالم الملك و الشهادة محاك لعالم الغيب و الملكوت.فمن الناس من يسّر له نظر الاعتبار،فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا و يعبر به إلى عالم الملكوت،فيسمى عبوره عبرة،و قد أمر الحق به فقال فَاعْتَبِرُوا يٰا أُولِي الْأَبْصٰارِ [١].و منهم من عميت بصيرته فلم يعتبر،فاحتبس في عالم الملك و الشهادة،و سينفتح إلى حبسه أبواب جهنم.و هذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة،إلا أن بينه و بين إدراك ألمها حجابا.فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك.و عن هذا أظهر اللّه تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق،فقالوا.الجنة و النار مخلوقتان،و لكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين، و مرة بإدراك آخر يسمى عين اليقين.و عين اليقين لا يكون إلا في الآخرة،و علم اليقين قد يكون في الدنيا،و لكن للذين قد وفوا حظهم من نور اليقين.فلذلك قال اللّه تعالى كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [٢]أي في الدنيا ثُمَّ لَتَرَوُنَّهٰا عَيْنَ الْيَقِينِ [٣]أي في الآخرة،فإذا قد ظهر أن القلب الصالح لملك الآخرة،لا يكون إلا عزيزا كالشخص الصالح لملك الدنيا.قسمة سادسة:حاوية لمجامع النعم.اعلم أن النعم تنقسم إلى ما هي غاية مطلوبة لذاتها، و إلى ما هي مطلوبة لأجل الغاية.أما الغاية فإنها سعادة الآخرة،و يرجع حاصلها إلى أربعة أمور:بقاء لا فناء له،و سرور لا غم فيه،و علم لا جهل معه،و غنى لا فقر بعده،و هي النعمة
[١] الحشر:٢
[٢] التكاثر:٥
[٣] التكاثر:٧