إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - بيان
و السيئات.و إنما يكتبان في صحائف مطوية في سر القلب،و مطوية عن سر القلب،حتى لا يطلع عليه في هذا العالم،فإنهما،و كتبتهما،و خطهما،و صحائفهما،و جملة ما تعلق بهما من جملة عالم الغيب و الملكوت،لا من عالم الشهادة.و كل شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم.ثم تنشر هذه الصحائف المطوية عنه مرتين:مرة في القيامة الصغرى،و مرة في القيامة الكبرى.و أعنى بالقيامة الصغرى حالة الموت.إذ قال صلّى اللّه عليه و سلم[١] «من مات فقد قامت قيامته»و في هذه القيامة يكون العبد وحده.و عندها يقال وَ لَقَدْ جِئْتُمُونٰا فُرٰادىٰ كَمٰا خَلَقْنٰاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [١]و فيها يقال كَفىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [٢]أما في القيامة الكبرى الجامعة لكافة الخلائق،فلا يكون وحده.بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق.و فيها يساق المتقون إلى الجنة،و المجرمون إلى النار زمرا لا آحادا.
و الهول الأول هو هول القيامة الصغرى.و لجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى،مثل زلزلة الأرض مثلا،فإن أرضك الخاصة بك تزلزل في الموت،فإنك تعلم أن الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم،و إن لم تزلزل البلاد المحيطة بها.
بل لو زلزل مسكن الإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقه،لأنه إنما يتضرر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه،لا بزلزلة مسكن غيره.فحصته من الزلزلة قد توفرت من غير نقصان.و اعلم أنك أرضى مخلوق من التراب.و حظك الخاص من التراب بدنك فقط.
فأما بدن غيرك فليس بحظك.و الأرض التي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف و مكان.و إنما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه.و إلا فالهواء أبدا متزلزل و أنت لا تخشاه.إذ ليس يتزلزل به بدنك.فحظك من زلزلة الأرض كلها زلزلة بدنك فقط، فهي أرضك و ترابك الخاص بك،و عظامك جبال أرضك،و رأسك سماء أرضك،و قلبك شمس أرضك،و سمعك و بصرك و سائر خواصك نجوم سمائك،و مفيض العرق من بدنك بحر أرضك،و شعورك نبات أرضك،و أطرافك أشجار أرضك،و هكذا إلى جميع أجزائك.فإذا انهدم بالموت أركان بدنك،فقد زلزلت الأرض زلزالها.فإذا انفصلت
[١] الانعام:٩٣
[٢] الاسراء:١٤