إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٦ - الحالة الثالثة أن يكون الحرب سجالا بين الجندين
التصديق بما في العاقبة من الحسني،تيسر الصبر .و لذلك قال تعالى فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اتَّقىٰ وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ [١]و مثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره.فإن الرجل القوى يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة و أيسر قوة،بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء و لا لغوب،و لا تضطرب فيه نفسه و لا ينبهر.و لا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب و مزيد جهد،و عرق جبين.فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين و باعث الهوى.فإنه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة و جنود الشياطين.و مهما أذعنت الشهوات و انقمعت،و تسلط باعث الدين و استولى،و تيسر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرضا كما سيأتي في كتاب الرضا.فالرضا أعلى من الصبر.و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«اعبد اللّه على الرّضا فإن لم تستطع ففي الصّبر على ما تكره خير كثير»و قال بعض العارفين:أهل الصبر على ثلاثة مقامات:أولها ترك الشهوة،و هذه درجة التائبين.و ثانيها الرضا بالمقدور و هذه درجة الزاهدين.و ثالثها المحبة لما يصنع به مولاه،و هذه درجة الصديقين .و سنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا،كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر.و كأن هذا الانقسام يجرى في صبر خاص،و هو الصبر على المصائب و البلايا و اعلم أن الصبر أيضا ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض،و نفل،و مكروه،و محرم.فالصبر عن المحظورات فرض.و على المكاره نفل.و الصبر على الأذى المحظور محظور.كمن تقطع يده أو يد ولده و هو يصبر عليه ساكتا،و كمن يقصد حريمه بشهوة محظورة، فتهيج غيرته،فيصبر عن إظهار الغيرة،و يسكت على ما يجرى على أهله،فهذا الصبر محرم و الصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع .فليكن الشرع محك الصبر.فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود.بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة
[١] الليل:٥