إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٧ - بيان
إلا عند التفاوت في الجودة،و مقابلة الجيد بمثله من الرديء لا يرضى بها صاحب الجيد.
و أما جيد برديئين فقد يقصد،و لكن لما كانت الأطعمة من الضروريات،و الجيد يساوى الرديء في أصل الفائدة،و يخالفه في وجوه التنعم،أسقط الشرع غرض التنعم فيما هو القوام فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا،و قد انكشف لنا هذا بعد الإعراض عن فن الفقه، فلنلحق هذا بفن الفقهيات،فإنه أقوى من جميع ما أوردناه في الخلافيات و بهذا يتضح رجحان مذهب الشافعي رحمه اللّه في التخصيص بالأطعمة دون المكيلات إذ لو دخل الجص فيه لكانت الثياب و الدواب أولى بالدخول.و لو لا الملح لكان مذهب مالك رحمه اللّه أقوم المذاهب فيه،إذ خصصه بالأقوات.و لكن كل معنى يرعاه الشرع فلا بد أن يضبط بحد،و تحديد هذا كان ممكنا بالقوت،و كان ممكنا بالمطعوم،فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أحرى لكل ما هو ضرورة البقاء.و تحديدات الشرع قد تحيط بأطراف لا يقوى فيها أصل المعنى الباعث على الحكم.و لكن التحديد يقع كذلك بالضرورة و لو لم يحد لتحير الخلق في اتباع جوهر المعنى مع اختلافه بالأحوال و الأشخاص.فعين المعنى بكمال قوّته يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص،فيكون الحد ضروريا.فلذلك قال اللّه تعالى وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [١]و لأن أصول هذه المعاني لا تختلف فيها الشرائع.و إنما تختلف في وجوه التحديد،كما يحد شرع عيسى بن مريم عليه السّلام تحريم الخمر بالسكر،و قد حده شرعنا بكونه من جنس المسكر،لأن قليله يدعو إلى كثيره و الداخل في الحدود داخل في التحريم بحكم الجنس،كما دخل أصل المعنى بالجملة الأصلية فهذا مثال واحد لحكمة خفية من حكم النقدين.فينبغي أن يعتبر شكر النعمة و كفرانها بهذا المثال.فكل ما خلق لحكمة فلا ينبغي أن يصرف عنها.و لا يعرف هذا إلا من قد عرف الحكمة وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢]و لكن لا تصادف جواهر الحكم في قلوب هي مزابل الشهوات،و ملاعب الشياطين.بل لا يتذكر إلا أولوا الألباب.و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«لو لا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب
[١] الطلاق:١
[٢] البقرة:٢٦٩