إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٧ - الطرف الثامن
في طاعتك مرة،و معصيتك أخرى.بل كأنه منتظر لأمرك و نهيك،ينفتح،و ينطبق متصلا بإشارتك.فهذا يشبهه من وجه.لكن يخالفه من وجه إذ الجفن لا علم له بما يصدر منه من الحركة فتحا و إطباقا،و الملائكة أحياء عالمون بما يعملون.فإذا هذه نعمة اللّه عليك في الملائكة الأرضية و السماوية،و حاجتك إليهما في غرض الأكل فقط،دون ما عداها من الحركات و الحاجات كلها،فإنا لم نطول بذكرها،فهذه طبقة أخرى من طبقات النعم،و مجامع الطبقات لا يمكن إحصاؤها،فكيف آحاد ما يدخل تحت مجامع الطبقات! فإذا قد أسبغ اللّه تعالى نعمه عليك ظاهرة و باطنة،ثم قال وَ ذَرُوا ظٰاهِرَ الْإِثْمِ وَ بٰاطِنَهُ [١]فترك باطن الإثم مما لا يعرفه الخلق من الحسد،و سوء الظن،و البدعة،و اضمار الشر للناس إلى غير ذلك من آثام القلوب،هو الشكر للنعم الباطنة،و ترك الإثم الظاهر بالجوارح، شكر للنعمة الظاهرة .بل أقول كل من عصى اللّه تعالى و لو في تطريفة واحدة بأن فتح جفنه مثلا حيث يجب غض البصر،فقد كفر كل نعمة للّٰه تعالى عليه في السموات و الأرض و ما بينهما.فإن كل ما خلقه اللّه تعالى حتى الملائكة،و السموات و الأرض و الحيوانات و النبات،بجملته نعمة على كل واحد من العباد،قد تم به انتفاعه،و إن انتفع غيره أيضا به،فإن للّٰه تعالى في كل تطريفة بالجفن نعمتين في نفس الجفن،إذ خلق تحت كل جفن عضلات و لها أوتار و رباطات متصلة بأعصاب الدماغ،بها يتم انخفاض الجفن الأعلى،و ارتفاع الجفن الأسفل،و على كل جفن شعور سود،و نعمة اللّه تعالى في سوادها أنها تجمع ضوء العين،إذ البياض يفرق الضوء،و السواد يجمعه،و نعمة اللّه في ترتيبها صفا واحدا أن يكون مانعا للهوام من الدبيب إلى باطن العين،و متشبثا للأقذاء التي تتناثر في الهواء ،و له في كل شعرة منهما نعمتان من حيث لين أصلها،و مع اللين قوام نصبها،و له في اشتباك الأهداب نعمة أعظم من الكل،و هو أن غبار الهواء قد يمنع من فتح العين،و لو طبق لم يبصر، فيجمع الأجفان مقدار ما تتشابك الأهداب.فينظر من وراء شباك الشعر،فيكون شباك الشعر مانعا من وصول القذى من خارج،و غير مانع من امتداد البصر من داخل
[١] الأنعام:١٢٠