إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٠ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
و أما النوع الثاني:فهو ضروري أشد ضرورة من الأول،و هو اشتغاله بالمطعم،و الملبس، و أسباب المعاش،فإن تهيئة ذلك أيضا تحوج إلى شغل،إن تولاه بنفسه،و إن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب ممن يتولاه.و لكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات، إن لم تهجم به ملمة أو واقعة.و في تلك الأوقات يصفو القلب،و يتيسر له الفكر،و ينكشف فيه من أسرار اللّه تعالى،في ملكوت السموات و الأرض،ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل،لو كان مشغول القلب بالعلائق.و الانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب و الجهد فأما مقادير ما ينكشف.و مبالغ ما يرد من لطف اللّه تعالى في الأحوال و الأعمال،فذلك يجرى مجرى الصيد،و هو بحسب الرزق.فقد يقل الجهد و يجل الصيد،و قد يطول الجهد و يقل الحظ.و المعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن،فإنها توازى أعمال الثقلين .و ليس ذلك باختيار العبد.نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة، بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا.فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين.و كل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها.فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و سلم«إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها» و ذلك لأن تلك النفحات و الجذبات لها أسباب سماوية،إذ قال اللّه تعالى وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ [١]و هذا من أعلى أنواع الرزق.و الأمور السماوية غائبة عنا،فلا ندري متى ييسر اللّه تعالى أسباب الرزق.فما علينا إلا تفريغ المحل،و الانتظار لنزول الرحمة و بلوغ الكتاب أجله .كالذي يصلح الأرض،و ينقيها من الحشيش،و يبث البذر فيها،و كل ذلك لا ينفعه إلا بمطر.و لا يدرى متى يقدر اللّه أسباب المطر،إلا أنه يثق بفضل اللّه تعالى و رحمته أنه لا يخلى سنة عن مطر.فكذلك فلما تخلو سنة،و شهر،و يوم،عن جذبة من الجذبات و نفحة من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات،و بذر فيه بذر الإرادة و الإخلاص،و عرضه لمهاب رياح الرحمة.كما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع، و عند ظهور الغيم،فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة،و عند اجتماع الهمم
[١] الذاريات:٢٢