إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦١ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
و تساعد القلوب،كما في يوم عرفة.و يوم الجمعة،و أيام رمضان .فإن الهمم و الأنفاس أسباب بحكم تقدير اللّه تعالى لاستدرار رحمته،حتى تستدر بها الأمطار في أوقات الاستسقاء و هي لاستدرار أمطار المكاشفات و لطائف المعارف من خزائن الملكوت،أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء،و استجرار الغيوم من أقطار الجبال و البحار.بل الأحوال و المكاشفات حاضرة معك في قلبك،و إنما أنت مشغول عنها بعلائقك و شهواتك فصار ذلك حجابا بينك و بينها،فلا تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة و يرفع الحجاب، فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب.و إظهار ماء الأرض بحفر القني أسهل و أقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها.و لكونه حاضرا في القلب،و منسيا بالشغل عنه،سمى اللّه تعالى جميع معارف الإيمان تذكرا فقال تعالى إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ [١]و قال تعالى وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبٰابِ [٢]و قال تعالى وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [٣]فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس و الشواغل، و هو آخر درجات الصبر.و إنما الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر.قال الجنيد رحمه اللّه.السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن،و هجران الخلق في حب الحق شديد.و السير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد،و الصبر مع اللّه أشد.فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب،ثم شدة هجران الخلق .و أشد العلائق على النفس علاقة الخلق و حب الجاه،فإن لذة الرئاسة،و الغلبة،و الاستعلاء،و الاستتباع، أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء.و كيف لا تكون أغلب اللذات و مطلوبها صفة من صفات اللّه تعالى و هي الربوبية،و الربوبية محبوبة و مطلوبة بالطبع للقلب،لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية.و عنه العبارة بقوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [٤]و ليس القلب مذموما على حبه ذلك،و إنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين،المبعد عن عالم الأمر،إذ حسده على كونه من عالم الأمر،فأضله و أغواه.و كيف يكون مذموما عليه و هو يطلب سعادة الآخرة!فليس يطلب إلاّ بقاء لا فناء فيه،و عزا لا ذلّ فيه و أمنا لا خوف فيه،و غنى لا فقر فيه،و كمالا لا نقصان فيه.و هذه كلها من أوصاف الربوبية
[١] الحجر:٩
[٢] إبراهيم:٥٢
[٣] القمر:١٧
[٤] الاسراء:٨٥