إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٢ - بيان
الشمس،لا لغموض في نور الشمس،و لكن لضعف في أبصار الخفافيش.فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها،إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادى حقائقها شيئا ضعيفا جدا.فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق،فقلنا للّٰه تعالى صفة هي القدرة،عنها يصدر الخلق و الاختراع ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام،و خصوص صفات و مصدر انقسام هذه الأقسام و اختصاصها بخصوص صفاتها،صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت،عبارة المشيئة.فهي توهم منها أمرا مجملا عند المتناطقين باللغات،التي هي حروف و أصوات المتفاهمين بها.و قصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفة و حقيقتها،كقصور لفظ القدرة ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها و إلى ما يقف دون الغاية.و كان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة.لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها تتم القسمة و الاختلافات.فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبة،و استعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة:و قيل إنهما جميعا داخلان في وصف المشيئة،و لكن لكل واحد خاصية أخرى في النسبة،يوهم لفظ المحبة و الكراهة منهما أمرا مجملا عند طالبي الفهم من الألفاظ و اللغات.ثم انقسم عباده الذين هم أيضا من خلقه و اختراعه إلى من سبقت له المشيئة الأزلية أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها،و يكون ذلك قهرا في حقهم بتسليط الدواعي و البواعث عليهم،و إلى من سبقت لهم في الأزل أن يستعملهم لسياقة حكمته إلى غايتها في بعض الأمور.فكان لكل واحد من الفريقين نسبة إلى المشيئة خاصة.فاستعير لنسبة المستعملين في إتمام الحكمة بهم عبارة الرضا،و استعير للذين استوقف بهم أسباب الحكمة دون غايتها عبارة الغضب،فظهر على من غضب عليه في الأزل فعل وقفت الحكمة به دون غايتها،فاستعير له الكفران،و أردف ذلك بنقمة اللعن و المذمة زيادة في الكال.و ظهر على من ارتضاه في الأزل فعل انساقت بسببه الحكمة إلى غايتها،فاستعير له عبارة الشكر،و أردف بخلعة الثناء و الإطراء زيادة في الرضا و القبول و الإقبال فكان الحاصل أنه تعالى أعطى الجمال ثم أثنى،و أعطى النكال ثم قبّح و أردى.و كان مثاله أن ينظف الملك عبده الوسخ عن أوساخه،ثم يلبسه من محاسن ثيابه،فإذا تمم زينته قال يا جميل