إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٤ - بيان
فهكذا كان أول هذا الأمر و آخره.و لا تفهمه إلا إذا كنت أهلا له.و إذا كنت أهلا له فتحت العين و أبصرت،فلا تحتاج إلى قائد يقودك .و الأعمى ممكن أن يقاد.و لكن إلى حد ما.فإذا ضاق الطريق و صار أحد من السيف،و أدق من الشعر،قدر الطائر على أن يطير عليه،و لم يقدر على أن يستجر وراءه أعمى.و إذا دق المجال،و لطف لطف الماء مثلا و لم يكن العبور إلا بالسباحة،فقد يقدر الماهر بصنعة السباحة أن يعبر بنفسه،و ربما لم يقدر على أن يستجر وراءه آخر.فهذه أمور نسبة السير عليها إلى السير على ما هو مجال جماهير الخلق،كنسبة المشي على الماء إلى المشي على الأرض.و السباحة يمكن أن تتعلم.فأما المشي على الماء فلا يكتسب بالتعليم،بل ينال بقوة اليقين.و لذلك[١]قيل للنبي صلّى اللّه عليه و سلم إن عيسى عليه السّلام يقال أنه مشى على الماء.فقال صلّى اللّه عليه و سلم«لو ازداد يقينا لمشى على الهواء» فهذه رموز و إشارات إلى معنى الكراهة و المحبة،و الرضا و الغضب،و الشكر و الكفران لا يليق بعلم المعاملة أكثر منها.و قد ضرب اللّه تعالى مثلا لذلك تقريبا إلى أفهام الخلق إذ عرف أنه ما خلق الجن و الإنس إلا لعبدوه،فكانت عبادتهم غاية الحكمة في حقهم.
ثم أخبر أن له عبدين،يحب أحدهما و اسمه جبريل،و روح القدس،و الأمين،و هو عنده محبوب،مطاع،أمين،مكين،و يبغض الآخر و اسمه ابليس،و هو اللعين،المنظر إلى يوم الدين.ثم أحال الإرشاد إلى جبريل فقال تعالى قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [١]و قال تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ [٢]و أحال الإغواء على إبليس فقال تعالى لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [٣]و الإغواء هو استيقاف العباد دون بلوغ غاية الحكمة.فانظر كيف نسبه إلى العبد الذي غضب عليه.و الإرشاد سياقه لهم
[١] النحل:١٠٢
[٢] غافر:١٥
[٣] الزمر:٨