إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - بيان
في موات الأرض،لا بسعي آدمي اختص بمغرسه أو بغرسه،فلا بد من طلب اختصاص آخر،و هو السبق إلى أخذه.فللسابق خاصية السبق.فالعدل هو أن يكون أولى به.
و عبّر الفقهاء عن هذا الترجيح بالملك،و هو مجاز محض.إذ لا ملك إلا لملك الملوك،الذي له ما في السموات و الأرض.و كيف يكون العبد مالكا و هو في نفسه ليس يملك نفسه!بل هو ملك غيره.نعم الخلق عباد اللّه،و الأرض مائدة اللّه.و قد أذن لهم في الأكل من مائدته بقدر حاجتهم.كالملك ينصب مائدة لعبيده،فمن أخذ لقمة بيمينه و احتوت عليها براجمه،فجاء عبد آخر و أراد انتزاعها من يده،لم يمكن منه،لا لأن اللقمة صارت ملكا له بالأخذ باليد،فإن اليد و صاحب اليد أيضا مملوك،و لكن إذا كانت كل لقمة بعينها لا تفي بحاجة كل العبيد،فالعدل في التخصيص عند حصول ضرب من الترجيح و الاختصاص و الأخذ اختصاص ينفرد به العبد،فمنع من لا يدلي بذلك الاختصاص عن مزاحمته.فهكذا ينبغي أن تفهم أمر اللّه في عباده.و لذلك نقول:من أخذ من أموال الدنيا أكثر من حاجته،و كنزه و أمسكه و في عباد اللّه من يحتاج إليه،فهو ظالم.و هو من الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل اللّه.و إنما سبيل اللّه طاعته،و زاد الخلق في طاعته أموال الدنيا،إذ بها تندفع ضروراتهم،و ترتفع حاجاتهم.نعم لا يدخل هذا في حد فتاوى الفقه،لأن مقادير الحاجات خفية،و النفوس في استشعار الفقر في الاستقبال مختلفة،و أواخر الأعمار غير معلومة.
فتكليف العوام ذلك يجرى مجرى تكليف الصبيان الوقار،و التؤدة،و السكوت عن كل كلام غير مهم.و هو بحكم نقصانهم لا يطيقونه.فتركنا الاعتراض عليهم في اللعب و اللهو،و إباحتنا ذلك إياهم،لا يدل على أن اللهو و اللعب حق فكذلك إباحتنا للعوام حفظ الأموال،و الاقتصار في الإنفاق على قدر الزكاة،لضرورة ما جبلوا عليه من البخل،لا يدل على أنه غاية الحق.و قد أشار القرءان إليه إذ قال تعالى إِنْ يَسْئَلْكُمُوهٰا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا (١)بل الحق الذي لا كدورة فيه،و العدل الذي لا ظلم فيه،أن لا يأخذ أحد من عباد اللّه من مال اللّه إلا بقدر زاد الراكب.فكل عباد اللّه ركاب لمطايا الأبدان،إلى حضرة الملك الديان.فمن أخذ زيادة عليه،ثم منعه عن راكب