إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - بيان
بني آدم لنظروا إلى ملكوت السّماء».و إذا عرفت هذا المثال فقس عليه حركتك و سكونك،و نطقك و سكوتك.و كل فعل صادر منك فإنه إما شكر و إما كفر.إذ لا يتصور أن ينفك عنهما.و بعض ذلك نصفه في لسان الفقه الذي تناطق به عوام الناس بالكراهة،و بعضه بالحظر.و كل ذلك عند أرباب القلوب موصوف بالحظر.فأقول مثلا لو استنجيت باليمنى فقد كفرت نعمة اليدين،إذ خلق اللّه لك اليدين،و جعل إحداهما أقوى من الأخرى،فاستحق الأقوى بمزيد رجحانه في الغالب التشريف و التفضيل.و تفضيل الناقص عدول عن العدل،و اللّه لا يأمر إلا بالعدل.ثم أحوجك من أعطاك اليدين إلى أعمال بعضها شريف كأخذ المصحف،و بعضها خسيس كإزالة النجاسة.فإذا أخذت المصحف باليسار،و أزلت النجاسة باليمين،فقد خصصت الشريف بما هو خسيس،فغضضت من حقه و ظلمته و عدلت عن العدل.و كذلك إذا بصقت مثلا في جهة القبلة،أو استقبلتها في قضاء الحاجة،فقد كفرت نعمة اللّه تعالى في خلق الجهات و خلق سعة العالم،لأنه خلق الجهات لتكون متسعك في حركتك،و قسم الجهات إلى ما لم يشرفها،و إلى ما شرفها بأن وضع فيها بيتا أضافه إلى نفسه،استمالة لقلبك إليه،ليتقيد به قلبك،فيتقيد بسببه بدنك في تلك الجهة على هيئة الثبات و الوقار إذا عبدت ربك.و كذلك انقسمت أفعالك إلى ما هي شريفة كالطاعات،و إلى ما هي خسيسة كقضاء الحاجة،و رمي البصاق.فإذا رميت بصاقك إلى جهة القبلة فقد ظلمتها،و كفرت نعمة اللّه تعالى عليك بوضع القبلة،التي بوضعها كمال عبادتك و كذلك إذا لبست خفك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت،لأن الخف وقاية للرجل، فللرجل فيه حظ،و البداءة في الحظوظ ينبغي أن تكون بالأشرف،فهو العدل و الوفاء بالحكمة و نقيضه ظلم و كفران لنعمة الخف و الرجل.و هذا عند العارفين كبيرة،و إن سماه الفقيه مكروها.حتى أن بعضهم كان قد جمع أكرارا من الحنطة،و كان يتصدّق بها، فسئل عن سببه فقال:لبست المداس مرة فابتدأت بالرجل اليسرى سهوا،فأريد أن أكفره بالصدقة،نعم الفقيه لا يقدر على تفخيم الأمر في هذه الأمور لأنه مسكين،بل بإصلاح العوام الذين تقرب درجتهم من درجة الأنعام،و هم مغموسون في ظلمات أطم و أعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات بالإضافة إليها.فقبيح أن يقال الذي شرب الخمر،و أخذ القدح