إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
و ليس مذموما على طلب ذلك.بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له.و طالب الملك طالب للعلوّ،و العز،و الكمال لا محالة.و لكن الملك ملكان ملك مشوب بأنواع الآلام ،و ملحوق بسرعة الانصرام،و لكنه عاجل،و هو في الدنيا،و ملك مخلد دائم، لا يشوبه كدر و لا ألم،و لا يقطعه قاطع،و لكنه آجل.و قد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة.فجاء الشيطان و توسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه،فاستغواه بالعاجلة،و زيّن له الحاضرة،و توسل إليه بواسطة الحمق،فوعده بالغرور في الآخرة،و منّاه مع ملك الدنيا ملك الآخرة،كما قال صلّى اللّه عليه و سلم«و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الأمانىّ»فانخدع المخذول بغروره و اشتغل بطلب عز الدنيا و ملكها على قدر إمكانه و لم يتدل الموفق بحبل غروره،إذ علم مداخل مكره،فأعرض عن العاجلة.فعبّر عن المخذولين بقوله تعالى كَلاّٰ بَلْ تُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ تَذَرُونَ الْآخِرَةَ [١]و قال تعالى إِنَّ هٰؤُلاٰءِ يُحِبُّونَ الْعٰاجِلَةَ وَ يَذَرُونَ وَرٰاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً [٢]و قال تعالى فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا وَ لَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [٣]و لما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق ،أرسل اللّه الملائكة إلى الرسل،و أوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدوّ و إغوائه فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي،الذي لا أصل له إن سلم،و لا دوام له أصلا،فنادوا فيهم يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مٰا لَكُمْ إِذٰا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ اثّٰاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا مِنَ الْآخِرَةِ فَمٰا مَتٰاعُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فِي الْآخِرَةِ إِلاّٰ قَلِيلٌ [٤]فالتوراة،و الإنجيل،و الزبور،و الفرقان،و صحف موسى و إبراهيم،و كل كتاب منزل،ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد.و المراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا،ملوكا في الآخرة.أما ملك الدنيا فالزهد فيها،و القناعة باليسير منها .و أما ملك الآخرة فبالقرب من اللّه تعالى يدرك بقاء لافناء فيه،و عزا لا ذل فيه،و قرة عين أخفيت في هذا العالم،لا تعلمها نفس من النفوس و الشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا،لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به.إذ الدنيا و الآخرة ضرتان.و لعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضا.
[١] القيامة:٢٠
[٢] الدهر:٢٧
[٣] النجم:٢٩،٣٠
[٤] التوبة