إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤١ - بيان
نعمة أو نعما كثيرة تخصه،لا يشاركه فيها الناس كافة،بل يشاركه عدد يسير من الناس،و ربما لا يشاركه فيها أحد.و ذلك يعترف به كل عبد في ثلاثة أمور:في العقل،و الخلق،و العلم .
أما العقل فما من عبد للّٰه تعالى إلا و هو راض عن اللّه في عقله،يعتقد أنه أعقل الناس، و قل من يسأل اللّه العقل.و إن من شرف العقل أن يفرح به الخالي عنه،كما يفرح به المتصف به.فإذا كان اعتقاده أنه أعقل الناس،فواجب عليه أن يشكره،لأنه إن كان كذلك فالشكر واجب عليه،و إن لم يكن و لكنه يعتقد أنه كذلك فهو نعمة في حقه،فمن وضع كنزا تحت الأرض فهو يفرح به و يشكر عليه،فإن أخذ الكنز من حيث لا يدرى فيبقى فرحه بحسب اعتقاده،و يبقى شكره،لأنه في حقه كالباقى.و أما الخلق فما من عبد إلا و يرى من غيره عيوبا يكرهها،و أخلاقا يذمها،و إنما يذمها من حيث يرى نفسه بريئا عنها.فإذا لم يشتغل بذم الغير فينبغي أن يشتغل بشكر اللّه تعالى،إذ حسّن خلقه،و ابتلى غيره بالخلق السيئ و أما العلم،فما من أحد إلا و يعرف من بواطن أمور نفسه،و خفايا أفكاره.
ما هو منفرد به،و لو كشف الغطاء حتى اطلع عليه أحد من الخلق لافتضح.فكيف لو اطلع الناس.كافة!فأذن لكل عبد علم بأمر خاص لا يشاركه فيه أحد من عباد اللّه.فلم لا يشكر ستر اللّه الجميل الذي أرسله على وجه مساويه،فأظهر الجميل و ستر القبيح،و أخفى ذلك عن أعين الناس،و خصص علمه به حتى لا يطلع عليه أحد.فهذه ثلاثة من النعم خاصة، يعترف بها كل عبد،إما مطلقا،و إما في بعض الأمور.فلننزل عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى أعم منها قليلا فنقول.ما من عبد إلا و قد رزقه اللّه تعالى في صورته،أو شخصه أو أخلاقه،أو صفاته،أو أهله،أو ولده،أو مسكنه،أو بلده،أو رفيقه،أو أقاربه، أو عزه،أو جاهه،أو في سائر محابه أمورا لو سلب ذلك منه،و أعطى ما خصص به غيره لكان لا يرضى به.و ذلك مثل أن جعله مؤمنا لا كافرا،و حيا لا جمادا،و إنسانا لا بهيمة و ذكرا لا أنثى،و صحيحا لا مريضا،و سليما لا معيبا،فإن كل هذه خصائص،و إن كان فيها عموم أيضا.فإن هذه الأحوال لو بدلت بأضدادها لم يرض بها .بل له أمور لا يبدلها بأحوال الآدميين أيضا.و ذلك إما أن يكون بحيث لا يبدله بما خص به أحد من الخلق،أو لا يبدله بما خص به الأكثر.فإذا كان لا يبدل حال نفسه بحال غيره،فإذا حاله أحسن من حال