إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٣ - بيان
و قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«ليس منّا من لم يتغنّ بالقرءان»و قال عليه السّلام[٢] «كفى باليقين غنى».و قال بعض السلف.يقول اللّه تعالى في بعض الكتب المنزلة إن عبدا أغنيته عن ثلاثة،لقد أتممت عليه نعمتي،عن سلطان يأتيه،و طبيب يداويه، و عما في يد أخيه.و عبر الشاعر عن هذا فقال
إذا ما القوت يأتيك كذا الصحة و الأمن
و أصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
بل أرشق العبارات و أفصح الكلمات،كلام أفصح من نطق بالضاد،حيث عبر صلّى اللّه عليه و سلم عن هذا المعنى فقال[٣]«من أصبح آمنا في سر به معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها».و مهما تأملت الناس كلهم، وجدتهم يشكون و يتألمون من أمور وراء هذه الثلاث،مع أنها و بال عليهم،و لا يشكرون نعمة اللّه في هذه الثلاث،و لا يشكرون نعمة اللّه عليهم في الإيمان الذي به وصولهم إلى النعيم المقيم،و الملك العظيم .بل البصير ينبغي أن لا يفرح إلا بالمعرفة و اليقين و الإيمان.بل نحن نعلم من العلماء من لو سلم إليه جميع ما دخل تحت قدرة ملوك الأرض من المشرق إلى المغرب،من أموال و أتباع،و أنصار،و قيل له خذها عوضا عن علمك،بل عن عشر عشير علمك،لم يأخذه و ذلك لرجائه أن نعمة العلم تفضي به إلى قرب اللّه تعالى في الآخرة.بل لو قيل له لك في الآخرة ما ترجوه بكماله،فخذ هذه اللذات في الدنيا،بدلا عن التذاذك بالعلم في الدنيا و فرحك به لكان لا يأخذه،لعلمه بأن لذة العلم دائمة لا تنقطع،و باقية لا تسرق،و لا تغصب، و لا ينافس فيها،و أنها صافية لا كدورة فيها،و لذات الدنيا كلها ناقصة،مكدرة،مشوشة لا يفي مرجوها بمخوفها،و لا لذتها بألمها،و لا فرحها بغمها .هكذا كانت إلى الآن،و هكذا