إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٤ - بيان
تكون ما بقي الزمان،إذ ما خلقت لذات الدنيا إلا لتجلب بها العقول الناقصة و تخدع،حتى إذا انخدعت و تقيدت بها،أبت عليها و استعصت.كالمرأة الجميل ظاهرها،تتزين للشاب الشبق الغنى،حتى إذا تقيد بها قلبه استعصت عليه و احتجبت عنه،فلا يزال معها في تعب قائم،و عناء دائم،و كل ذلك باغتراره بلذة النظر إليها في لحظة.و لو عقل و غض البصر،و استهان بتلك اللذة، سلم جميع عمره .فهكذا وقعت أرباب الدنيا في شباك الدنيا و حبائلها.و لا ينبغي أن نقول إن المعرض عن الدنيا متألم بالصبر عنها.فإن المقبل عليها،أيضا متألم بالصبر عليها و حفظها،و تحصيلها،و دفع اللصوص عنها و تألم المعرض يفضي إلى لذة في الآخرة،و تألم المقبل يفضي إلى الألم في الآخرة.
فليقرأ المعرض عن الدنيا على نفسه قوله تعالى وَ لاٰ تَهِنُوا فِي ابْتِغٰاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمٰا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللّٰهِ مٰا لاٰ يَرْجُونَ [١]،فإذا إنما أنسد طريق الشكر على الخلق لجهلهم بضروب النعم الظاهرة و الباطنة،و الخاصة و العامة .
فإن قلت:فما علاج هذه القلوب الغافلة؟حتى تشعر بنعم اللّه تعالى فعساها تشكر.
فأقول:أما القلوب البصيرة،فعلاجها التأمل فيما رمزنا إليه من أصناف نعم اللّه تعالى العامة.و أما القلوب البليدة التي لا تعد النعمة نعمة إلا إذا خصتها،أو شعرت بالبلاء معها فسبيله أن ينظر أبدا إلى من دونه،و يفعل ما كان يفعله بعض الصوفية إذ كان يحضر كل يوم دار المرضى،و المقابر،و المواضع التي تقام فيها الحدود.فكان يحضر دار المرضى ليشاهد أنواع بلاء اللّه تعالى عليهم،ثم يتأمل في صحته و سلامته ،فيشعر قلبه بنعمة الصحة عند شعوره ببلاء الأمراض،و يشكر اللّه تعالى.و يشاهد الجناة الذين يقتلون،و تقطع أطرافهم و يعذبون بأنواع العذاب،ليشكر اللّه تعالى على عصمته من الجنايات،و من تلك العقوبات و بشكر اللّه تعالى على نعمة الأمن و يحضر المقابر،فيعلم أن أحب الأشياء إلى الموتى أن يردوا إلى الدنيا و لو يوما واحدا،أما من عصى اللّه فليتدارك،و أما من أطاع فليزد في طاعته، فإن يوم القيامة يوم التغابن .فالمطيع مغبون إذ يرى جزاء طاعته فيقول:كنت أقدر على أكثر من هذه الطاعات،فما أعظم غبنى إذ ضيعت بعض الأوقات في المباحات.و أما العاصي فغبنه ظاهر فإذا شاهد المقابر،و علم أن أحب الأشياء إليهم أن يكون قد بقي لهم من العمر ما بقي له،
[١] النساء:١٠٤