مقتل الحسین علیه السلام - خوارزمی - الصفحة ٢٥٦ - الفصل التاسع في بيان ما جرى بينه و بين الوليد بن عتبة و مروان بن الحكم بالمدينة في حياة معاوية و بعد وفاته
حازم، انظر أن تثب على أعدائك كوثوب الهزبر البطل، و لا تجبن كجبن الضعيف النكل، فإني قد كفيتك الحلّ و الترحال، و جوامع الكلم و المنطق، و نهاية البلاغة، و رفع المؤنة، و سهولة الحفظ، و لقد وطأت لك يا بني البلاد، و ذلك لك رقاب العرب الصعاب، و أقمت لك المنار، و سهلت لك السبل، و جمعت لك اللجين و العقيان، فعليك يا بني! من الأمور بما قرب مأخذه، و سهل مطلبه، و ذر عنك ما اعتاص عليك، و اعلم يا بنيّ! أن سياسة الخلافة لا تتم إلا بثلاث: بقلب واسع؛ و كف بسيط؛ و خلق رحيب، و ثلاث أخر: علم ظاهر؛ و خلق طاهر؛ و وجه طلق، ثم تردف ذلك بعشر آخر: بالصبر؛ و الأناة؛ و التودد؛ و الوقار؛ و السكينة؛ و الرزانة؛ و المروءة الظاهرة؛ و الشجاعة؛ و السخاء؛ و الاحتمال للرعية بما تحب و تكره.
و لقد علمت يا بني! أني قد كنت في أمر الخلافة جائعا شبعان، بشما شهوان، اصبح عليها جزعا، و امسي هلعا، حتّى أعطاني النّاس ثمرة قلوبهم، و بادروا إلى طاعتي، فادخل يا بنيّ! من هذه الدنيا في حلالها، و اخرج من حرامها، و انصف الرعية، و أقسم فيهم بالسوية، و اعلم يا بنيّ! أني أخاف عليك من هذه الامة-أربعة نفر-من قريش: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ و عبد اللّه بن عمر؛ و عبد اللّه بن الزبير؛ و شبيه أبيه الحسين بن عليّ.
فأما-عبد الرحمن بن أبي بكر-فإنه إذا صنع أصحابه صنع مثلهم، و هو رجل همته النساء، و لذة الدنيا، فذره يا بني! و ما يريد، و لا تأخذ عليه شيئا من أمره، فقد علمت ما لأبيه من الفضل على هذه الامة، و قد يحفظ الولد في أبيه.
و أما-عبد اللّه بن عمر-فإنه رجل صدق، وحش من النّاس، قد أنس بالعبادة، و خلا بالوحدة، فترك الدنيا و تخلى منها، فهو لا يأخذ منها