نهج البلاغة - ط دار الكتاب اللبناني - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٦ - مقدمة السيد الشريف الرضي
به ينطف [١] دما ويقطر مهجا [٢] ، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الأبدال [٣] ، وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة ، التي جمع بها بين الأضداد وألف بين الأشتات [٤] ، وكثيرا ما أذاكر الإخوان بها وأستخرج عجبهم منها ، وهي موضع للعبرة بها والفكرة فيها.
وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ، والمعنى المكرر ، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف ، اختلافا شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى ، موضوعا غير موضعه الأول ، إما بزيادة مختارة أو بلفظ أحسن عبارة ، فتقتضي الحال أن يعاد استظهارا للاختيار ، وغيرة على عقائل الكلام [٥] ، وربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا لا قصدا واعتمادا.
ولا أدعي مع ذلك أني أحيط بأقطار [٦] جميع كلامه عليهالسلام ، حتى لا يشذ عني منه شاذ ولا يند ناد [٧]، بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي ، والحاصل في ربقتي [٨] دون الخارج من يدي ، وما علي إلا بذل الجهد وبلاغة الوسع ، وعلى الله سبحانه وتعالى نهج السبيل [٩]وإرشاد الدليل ، إن شاء الله.
ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب بنهج البلاغة ، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها ويقرب عليه طلابها ، فيه حاجة العالم والمتعلم وبغية البليغ والزاهد ، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل ، وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق ، ما هو بلال كل غلة [١٠] وشفاء كل علة ، وجلاء كل شبهة.
ومن الله سبحانه أستمد التوفيق والعصمة ، وأتنجز التسديد والمعونة ، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان ، ومن زلة الكلم قبل زلة القدم [١١] ، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[١] ينطف : من نطف كنصر وضرب ، نطفاً وتنطافاً : سال.
[٢] المهج : جمع مهجة ، وهي : دم القلب ، والروح.
[٣] الأبدال قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم ، مات منهم واحد بدل الله مكانه آخر. والواحد بدل بديل.
[٤] الأشتات : جمع شتيت : ما تفرق من الأشياء.
[٥] عقائل الكلام : كرائمه. وعقيلة الحي : كريمة.
[٦] أقطار الكلام : كرائمه. وعقيلة الحي : كريمته.
[٧] الناد : المنفرد الشاذ.
[٨] الربقة : عروة حبل يجعل فيها رأس البهيمة.
[٩] نهج السبيل : إبانته وإيضاحه.
[١٠] الغلة : العطش ، وبلالها : ما تبل به وتروى.
[١١] زلة الكلم : الخطأ في القول ، وزلة القدم ، خطأ الطريق والانحراف عنه.