نهج البلاغة - ط دار الكتاب اللبناني - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٥ - مقدمة السيد الشريف الرضي
وأردت أن يسوغ لي التمثل في الافتخار به عليهالسلام ، بقول الفرزدق :
|
أولئك آبائي فجئني بمثلهم |
|
إذا جمعتنا يا جرير المجامع |
ورأيت كلامه عليهالسلام يدور على أقطاب [١] ثلاثة ، أولها الخطب والأوامر ، وثانيها الكتب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ ، فأجمعت [٢] بتوفيق الله تعالى على الابتداء ، باختيار محاسن الخطب ثم محاسن الكتب ، ثم محاسن الحكم والأدب ، مفردا لكل صنف من ذلك بابا ومفصلا فيه أوراقا ، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه ، يشذ عني عاجلا ويقع إلي آجلا ، وإذا جاء شيء من كلامه عليهالسلام الخارج في أثناء حوار ، أو جواب سؤال ، أو غرض آخر من الأغراض في غير الأنحاء التي ذكرتها ، وقررت القاعدة عليها ، نسبته إلى أليق الأبواب به وأشدها ملامحة[٣] لغرضه ، وربما جاء فيما أختاره من ذلك فصول غير متسقة [٤] ، ومحاسن كلم غير منتظمة ، لأني أورد النكت واللمع [٥] ، ولا أقصد التتالي والنسق [٦].
ومن عجائبه عليهالسلام التي انفرد بها ، وأمن المشاركة فيها ، أن كلامه الوارد في الزهد والمواعظ ، والتذكير والزواجر ، إذا تأمله المتأمل وفكر فيه المتفكر ، وخلع من قلبه أنه كلام مثله ، ممن عظم قدره ونفذ أمره ، وأحاط بالرقاب ملكه ، لم يعترضه الشك ، في أنه كلام من لاحظ له في غير الزهادة ، ولا شغل له بغير العبادة ، قد قبع [٧]في كسر بيت[٨] أو انقطع إلى سفح جبل [٩] ، لا يسمع إلا حسه ولا يرى إلا نفسه ، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب ، مصلتا سيفه [١٠] فيقط الرقاب [١١] ويجدل الأبطال [١٢] ، ويعود
[١] أقطاب : أصول.
[٢] أجمع عليه : عزم.
[٣] الملاحمة : الإبصار والنظر ، والمراد هنا المناسبة والمشابهة.
[٤] المتسق : المنتطم يتلو بعضه بعضاً.
[٥] النكت : الآثار التي يتميز بها الشيء ، واللمع : الآثار المميزة للأشياء بإضاءتها وبريقها.
[٦] النسق : التتابع والتتالي.
[٧] قبع القنفذ ، كمنع : أدخل رأسه في جلده ، والرجل أدخل رأسه في قميصه ، أراد منه : انزوى.
[٨] كسر البيت : جانب الخباء.
[٩] سفح الجبل : أسفله وجوانبه.
[١٠] أصلت سيفه : جرده من غمده.
[١١] يقط الرقاب : يقطعها عرضاً. فإن القطع طولا قيل : يقد.
[١٢] يجدل الأبطال : يلقيهم على الجدالة كسحابة : وهي وجه الأرض.