مسند الإمام علي (ع) - القبانجي، حسن - الصفحة ٨
وبالتالي وإذا بهذا الفدائيّ الأوّل في تاريخ الإسلام يُقصى عن مركزه الطبيعي في قيادة هذه الاُمّة التي تتسَلسل في أيدي غيره، حتّى تصل بعد ربع قرن أو يزيد، إلى الطلقاء وأولاد الطلقاء، الذين سخّروا منابر الإسلام ومنائره ألف شهر لسبّ عليّ والانتقاص منه، فكانت هذه المنابر والمنائر التي أقامها جهاد عليّ وأشادتها تضحياته وإخلاصه أشدّ من ظلم عليّاً وأنكر فضله واستباح حرمته.
وبالرغم من كلّ ما لاقاه هذا الإمام العظيم من غَبن وحَيف وظلم، فإنّه كان مستقرّ النفس مطمئن الضمير ثابت اليقين; لأنّه لم يعمل لأجل أمجاد الأرض وثناء هذه الأرض، وإنّما عمل لأجل أمجاد السماء ورضوان من الله أكبر، ولهذا خرّ صريعاً في بيت ربّه وهو يقول: "فُزت وربّ الكعبة" ولو كان يعمل لأمجاد الأرض لكان أتعس إنسان عليها.
ولئن تعدّدت مظاهر المظلومية لهذا الإمام الممتحن، فلقد امتدّت بعض هذه المظاهر إلى مجالات البحث العلمي أيضاً، فلم يجد التراث العظيم الذي خلّفه هذا الإمام ما يستحقّ من ضبط واستيعاب وتنويه من قبل الباحثين.
بينما سُلِّطَت الأضواء على ما أثر عن آخرين ممّن ليس لهم مثل عطاء الإمام وغزارة حكمته، حتّى بأن ختم جملة من أرباب الحديث أن ليس للإمام عليّ صلوات الله عليه إلاّ خمسمائة حديث فقط واُلّفت مسانيد جمّة: كمسند أحمد بن حنبل، ومسند أبي داود، ومسند أبي عاصم الشيباني، ومسند محمّد بن يحيى المدني، ومسند يعقوب الدوسي، ومسند أبي هريرة، ومسند القرطبي، ومسند أبي حنيفة، ومسند الحافظ بن أبي شيبة، إلى كثير وكثير من تلكم المسانيد، وقد استعرض أربابها نزراً يسيراً من أحاديث الإمام عليّ صلوات الله عليه لم يتجاوز تقديرهم لها عن بضع مئات، وأغفلوا الجزء الأكبر من تراثه الشريف، ولم يؤدّوا بذلك الأمانة العلمية، مع العلم بأنّ أحاديثه صلوات الله عليه قد بلغت عدداً أكبر لايبلغه