نظرات في الکتب الخالده - حامد حفنی داود - الصفحة ١٢
ومن ثم كانت ماثورات ابن عباس ورواياته في تفسير ايات القرآن أول ما عرف من التفاسير التى تستند في جملتها على الحديث والاثر وإذا كان عبد الله بن عباس معدودأ في الرعيل الاول مما عاصر الامام على رضوان الله عليه فإننا نعلم من ذلك أن للتفسير بالاثر والحديث النبوى من العلوم التى تفرد بها البيت النبوى ، وعرف الائمة قبل غير هم ، واختص بها ابن عباس بتوجيه منهم فلما كان العصر العباسي وازداد إتصال العرب بحضارات الفرس والرومان واليونان ، والهند وتلاطمت هذه الحضارات في العقل العربي كما تتلاطم الامواج في المحيط الواسع - حدث الامتزاح الفكري ، فعرف العرب الحضارة المادية من الفرس ، ونظم الادارة وأنواعها ، ورأوا ما عليه المجوس من أخلاق وعقائد ، وعرفوا من اليونان فلسفتهم ، ومنطقهم وعلومهم القديمة واطلعو على ما عند الهند من حكمة وروحانية وتمخض من هذا المزج العجيب عقل عربي مكتمل الجانب بزن الفكرة بميزان الشرع والعقل معا ، ويجمع في احكامه بين المنقول والمعقول وفى القرن الثالث والرابع الهجريين حين بلغت الحضارة الاسلامية مكان الذروة إنعكست هذه الجوانب الفكرية في التشريع الاسلامي ، فظهرت تلك الروحانيات الخالدة واضحة في علوم الاسلام الدينية ، والاجتماعية ، والانسانية وكان للتفسير الحظ الاوفر من هذه الجوانب فتعددت مذاهب المفسرين ، فمنهم من آثر جانب المنقول فاكتفى في الحديث والاثر ، كما