في رحاب العقيدة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨٩ - شرح قاعدة اللطف وتحديده
وحيث كانت حاجتهم لذلك مستمرة في جميع الأوقات تبعاً لدوام نقصهم وحاجتهم، فلابد من وجود إمام معصوم في كل زمان يزيح العلة. ولا يكفي إرسال النبي في وقته بعد أن لم يكن خالد، لأنه إنما يكون إماماً لعصره، ولا تزاح به العلة بعد ذلك. لما هو المعلوم من حصول الخلاف بعده، وشيوع الشرّ والفساد وخروج الأمة ـ ولو ببعض فئاتها ـ عن حظيرة الطاعة لله تعالى، وضياع معالم الحق عليه. هذا هو مفاد قاعدة اللطف الإلهي.
وهي لا تقتضي وجوب تحقق العدل فعلاً بسيطرة الإمام، وقبضه على زمام الأمور، وقسر الناس على الانصياع له والرضوخ لحكمه. فإن ذلك لم يحصل إلا في فترات زمنية قصيرة. وربما لم يكن في تلك الفترات بنحو شامل.
بل المراد منها وجوب إزاحة علتهم من قبل الله تعالى تشريعاً بنصب الإمام لهم، وتعريفهم به بما تتم به الحجة عليهم [لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ] [١]. ثم لهم بعد ذلك الاختيار.
فإن شكروا النعمة وأطاعوه صلح أمرهم وعمهم الخير والعدل، كما قال عز من قائل: [وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ] [٢].
وإن كفروا النعمة وخالفوه ذاقوا وبال أمرهم، وعمهم الفساد والظلم، كما قال سبحانه وتعالى: [مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَ
[١] سورة الأنفال الآية: ٤٢.
[٢] سورة المائدة الآية: ٦٥ ـ ٦٦.