اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٦٩ - من خطبة له عليه السلام في ذكر وفاة النبي ( ص ) على صدره
تميد بأهلها ميدان السّفينة تقصفها العواصف فى لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، ومنهم النّاجى على بطون الأمواج ، تحفزه الرّياح بأذيالها ، وتحمله على أهوالها ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك عباد اللَّه ، الآن فاعملوا ، والألسن مطلقة ، والأبدان صحيحة ، والأعضاء لدنة ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت ، فحقّقوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه اقول : استعار لفظ العلم ، والمنار : للهداة الى اللَّه . والساطع : المرتفع . ولفظ المنهج : للشريعة . والقاطن : المقيم وشبهها بأهلها : كالسفينة براكبها ، ووجه التمثيل قوله : تقصفها الى آخره . واشتمل هذا التمثيل على تشبهات ، فالدنيا : كالسفينة فى الريح العاصف ، وتغيّراتها كحركات السفينة . ورميهم بحوادثها : كالأحوال التي تلحق اهل السفينة حينئذ . وقسمتهم الى غريق وبق اى : هالك بحوادثها ، والى ناج : الى حين مقاساة متاعها ولا بدّ من هلاكه . واللدن : الناعم ، والأرهاق : اللحوق ، وتحقيق نزوله : بذكره واخطاره بالبال ، وتقدير كونه واقعا بهم . ونهى عن انتظار قدومه : لاستلزام ذلك توهّم بعده ، والتكاسل بسبب ذلك عن العمل .
١٨٠ - ومن خطبة له عليه السّلام ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، أنّى لم أردّ على اللَّه ولا على رسوله ساعة قطَّ ، ولقد واسيته بنفسى فى المواطن الَّتى تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر فيها الأقدام ، نجدة أكرمنى اللَّه بها .
ولقد قبض رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّ رأسه لعلى صدرى ، ولقد سالت نفسه فى كفّى ، فأمررتها على وجهى ، ولقد ولَّيت غسله ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، والملائكة أعوانى ، فضجّت الدّار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعى هينمة منهم ، يصلَّون عليه حتّى واريناه فى ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّى حيّا وميّتا فانفذوا