اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٢٦ - من خطبة له عليه السلام في حين تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية
أنّ هذه الأوامر الثلاثة هى الَّتى عليها مدار الرّياضة . فالأمر بالتّقوى يستلزم الزّهد الحقيقى ، وهو معين على حذف الموانع الدّاخلية والخارجيّة ، والامر بسلوك سبيل اللَّه معين على تطويع النّفس الأمّارة ، والأمر بالفرار الى اللَّه امر بتوجّه السّير اليه ، وهذه الاعراض الثّلاثة الَّتى يتوجّه نحوها الرّياضة المستلزمة لكمال الاستعداد للوصول اليه تعالى ، ولذلك قال عليه السّلام بعدها : فعليّ ضامن لفلجكم آجلا ان لم تمنحوه عاجلا .
والفلج : الفوز ، والمنحة : العطيّة ، وذلك بشرط الاستعداد بلزوم الأوامر المذكورة .
٢٤ - ومن خطبة له عليه السّلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد اللَّه بن عباس ، وسعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبى أرطاة ، فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرّأى ، فقال : - ما هى إلَّا الكوفة أقبضها وأبسطها ، إن لم تكوني إلَّا أنت تهبّ أعاصيرك . فقبّحك اللَّه . وتمثّل بقول الشّاعر :
< شعر > لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني على وضر من ذا الإناء قليل < / شعر > ثم قال عليه السّلام : أنبت بسرا قد اطَّلع اليمن ، وإنّى واللَّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم : باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته اللَّهمّ إنّى قد مللتهم وملَّوني وسئمتهم وسئمونى ، فأبدلنى بهم خيرا منهم وأبدلهم بى شرّا منّى ، اللَّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما واللَّه لوددت أنّ لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم .