اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٠١ - من كلام له عليه السلام في ذم المنابذين والمخالفين له
قال : بعد اللَّتيا واللَّتى لا اتزوّج ابدا فكنّى بهما عن الشدائد المتعاقبة . وكونه عليه السلام آنس بالموت من الطفل بثدى امّه ظاهر من حاله ، اذ كان رئيس اولياء اللَّه وقد علمت انّ محبة الموت انس لهم لكونه وسيلة لهم الى لقاء محبوبهم الاعظم ، وانسهم به انس عقلى ثابت فكان اشدّ من انس الطين بالندى لكونه عن ميل شهوانى في معرض التغيّر والزوال . قوله : بل اندمجت الى آخره : اشارة [١] بعد نفى الجزع من الموت ، واشارة الى سبب آخر لسكونه ، وهو العلم الَّذى انطوى عليه ، والاندماج : الانطواء وذلك علمه بعواقب الامور وادبارها ، وما ينتظر من الوقائع والفتن ممّا علَّمه بتعليم اللَّه ورسوله . ونبّه على عظمة ذلك بقوله : لو بحت به الى آخره .
واشار باضطرابهم على ذلك التقدير الى تشتّت آرائهم عند علمهم بما سيقع من ذلك ، من انتقال الأمر الى بنى اميّة ومدّة دولتهم فانّ ذلك يكون سببا لبقائهم ، ووجه الشبه باضطراب الارشية في الطوى البعيدة : شدّة الاضطراب لانّ البئر كلَّما كانت اعمق كان اضطراب الرشاء فيها اشدّ لطوله . والرشا : حبل البئر . والطوّى : البئر المطويّة . وقيل : اراد بالعلم المنطوّى عليه : علم الآخرة وما بعد الموت ، لانّه لو شرح لهم ذلك لاضطربوا اشدّ اضطراب خوفا من اللَّه ، واذهلوا عمّا هم فيه من المنافسة في الدنيا .
٦ - ومن كلام له عليه السّلام لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزّبير ولا يرصد لهما القتال واللَّه لا أكون كالضّبع : تنام على طول اللَّدم ، حتّى يصل إليها طالبها ، ويختلها راصدها ، ولكنّى أضرب بالمقبل إلى الحقّ المدبر عنه ، وبالسّامع المطيع العاصى المريب أبدا ، حتّى يأتي علىّ يومى . فو اللَّه ما زلت مدفوعا عن حقّى مستأثرا علىّ منذ قبض اللَّه نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله حتّى يوم النّاس هذا .
[١] في ش : استدراك .