اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٩٦ - من عهد له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر
* ( ( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) ) * [١] وروى وعذابها جديد ، هو كقوله تعالى : * ( ( ولَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) ) * [٢] ونحوه . وقوله بينهما اى : بين شدّة الخوف وحسن الظن به .
واعلم انّه عليه السلام لم يجعل احدهما علَّة للآخر بل اشار الى ملازمتهما لانهما معلولا علَّة واحدة ، وهى معرفة اللَّه تعالى ، وقبولهما للشدّة والضعف بحسب قبولهما فى نفس العبد الَّا انّ كلَّا منهما يستند الى اعتبار من المعرفة خاص يكون مبدأ قريبا له ، اما فى حسن الظنّ والرجاء ، فان يلحظ العبد من ربّه صفات رحمته وجوده ، ورأفته ووعده ، واما فى الخوف فان يلحظ منه اوصاف عظمته وبأسه وسطوته ، وصولته ووعيده ، وبحسب اشتداد تصوّر تلك الاعتبارات يكون اشتداد الخوف ولوازمه من انقباض الجوارح عن المعاصى ، ونحول الابدان وغير ذلك . وتخالف على نفسك اى : الامّارة بالسوء فى هواها : والمنافحة : المضاربة والمخاصمة . والخلف : العوض ، وانّما كان كل عمل له تبعا لصلاته لأنها عمود الدين ، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله « اوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فمن تمّت صلاته سهل عليه غيرها من العبادات ، ومن نقصت صلاته فانّه يحاسب عليها وعلى غيرها [٣] . » ومن هذا العهد ايضا فإنّه لا سواء : إمام الهدى ، وإمام الرّدى ، وولىّ النّبىّ ، وعدوّ النّبىّ . ولقد قال لى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : « إنّى لا أخاف على أمّتى مؤمنا ولا مشركا : أمّا المؤمن فيمنعه اللَّه بإيمانه ، وأمّا المشرك فيقمعه اللَّه بشركه ، ولكنّى أخاف عليكم كلّ منافق الجنان عالم اللَّسان : يقول ما تعرفون ، ويفعل ما تنكرون » [٤] .
اقول : اشار بامام الهدى ، وولىّ النبىّ الى نفسه ، وبامام الردى وعدوّ النبىّ ، الى معاوية تنفيرا عنه .
ويقمعه : يقهره ويذلَّله . وعلم اللسان قول الحقّ الَّذى يعرفونه .
[١] سورة النساء - ٥٦ .
[٢] سورة الحج - ٢١ .
[٣] الجامع الصغير ١ - ٤٣٦ .
[٤] سفينة البحار ٢ - ٦٠٦ بالفاظ مختلفة . صحيح مسلم ١ - ٧٨ .