اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٢ - من كلام له عليه السلام قبل موته حول ضرورة الموت طبعا
١٤٨ - ومن كلام له عليه السّلام قبل موته أيّها النّاس ، كلّ امرىء لاق ما يفرّ منه فى فراره ، والأجل مساق النّفس والهرب منه موافاته . كم اطَّردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللَّه إلا إخفاءه . هيهات علم مخزون ، أمّا وصيّتى فاللَّه لا تشركوا به شيئا ، ومحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلا تضيّعوا سنّته . أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخلاكم ذمّ مالم تشردوا . حمل كلّ امرىء منكم مجهوده ، وخفّف عن الجهلة ربّ رحيم ، ودين قويم ، وإمام عليم . أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم ، غفر اللَّه لى ولكم . إن ثبتت الوطأة فى هذه المزلَّة فذاك ، وإن تدحض القدم ، فإنّا كنّا فى أفياء أغصان ومهبّ رياح وتحت ظلّ غمام اضمحلّ فى الجوّ متلفّقها وعفا فى الأرض مخطَّها ، وإنّما كنت جارا جاوركم بدنى أيّاما وستعقبون منّى جثّة خلاء ، ساكنة بعد حراك ، وصامتة بعد نطوق . ليعظكم هدوّى وخفوت أطرافى ، وسكون أطرافى ، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع . وداعيكم وداع امرىء مرصد للتّلاقى ، غدا ترون أيّامى ، ويكشف لكم عن سرائرى ، وتعرفوننى بعد خلوّ مكانى وقيام غيرى مقامى .
اقول : انّما قال : فى فراره : لكون الإنسان ابدا فارا من الموت ، واذا كان لا بدّ من لقائه وقتا مّا فلقاؤه فى فراره . والأجل : قد يراد به : مدّة الحياة وهو : مساق النفس الى غايتها . وفى قوله : والهرب منه موافاته : لطف به لانّ الفرار منه مثلا بالحركات والعلاجات ونحوها ، يستلزم فناء الأوقات ، وفى فنائها موافاته ، فكان الهرب منه موافاة له . واطَّردت الايّام : جعلتها طريدة لما اتبعها بالبحث عن مكنون هذا الأمر وهو قتله ، فأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله اخبره به اجمالا حيث قال له : ( أتدرى من اشقى الأوّلين ، قال : نعم عاقر الناقة ، فقال : او تعلم من اشقى الآخرين فقال : لا ، فقال : من يخضب هذه ) [١] واشار الى لحيته من هذا واشار الى رأسه . والمكنون : وقته وكيفيته
[١] مناقب ابن شهر اشوب ٣ - ٣٠٩ . الرياض النضرة ٢ - ٢٢٣ . مجمع الزوائد ٩ - ١٣٧ . خصائص الحافظ النسائى - ١٢٩ . كنز العمال ٦ - ٣٩٩ . مستدرك الصحيحين ٣ - ١١٣ . اسد الغابة ٤ - ٣٣ . نور الابصار - ٩٧ . فضائل الخمسة ٣ - ٦٤ .