اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٣ - من خطبة له عليه السلام في وجوب النفار عن الدنيا
والمعنيان متقاربان لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، وإنّما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .
اقول : هذا الفصل مشتمل على التّنفير عن الدّنيا والتّرغيب في الآخرة ، والاستعداد لها بالتّوبة والاعمال الصّالحة . وآذنت : أعلمت بتغيّراتها انّها زائلة ، ولفظ الوداع : مستعار لذلك واشراف الآخرة قربها من كل شخص ونبّه على وجوب الاستعداد بذكر ما يستعدّ لأجله وهو السباق ، وذكر ما يستبق اليه في قوله : الا وانّ اليوم الى قوله : النّار . والمضمار : المدّة الَّتى تضمر فيها الخيل للسّباق اى : يعلف ويسمن ثم يردّ الى القوّة وهى اربعون يوما ، واستعار لفظه : لمدّة الحياة باعتبار انّ الإنسان يستعدّ فيها بالتّقوى لتكمل قوّته العقلية فيكون من السّابقين الى لقاء اللَّه كما يستعدّ الفرس بالتّضمير لسبق مثله .
والسّباق : مصدر كالمسابقة ، وهو ايضا جمع سبقة كنطفة ونطاف . والسبقة بضم السّين وفتحها : ما يستبق اليه من الخطر . وروى السباق مرفوعا ولا وجه له الَّا ان يكون مضافا اليه اقيم مقام مضاف هو الخبر اى : وقت السّباق ، او ان يكون السّباق : جمع سبقة ، وكنّى بغد : عن يوم القيامة ، وتمام المعنى هو ما اشار اليه السيّد رحمه اللَّه .
ونام في الموضوعين مفعول ثان لارى ، والمفعول الاوّل هو المشبّه بالجنّة او النّار . والضمير في قوله : وانّه ، ضمير الشّأن ، واستعار لفظ الظَّعن : للسّفر الى اللَّه تعالى ، بالكفر فى ملكوت سماواته وارضه ، وعوالم خلقه . والزّاد الَّذى دلَّوا عليه : هو التقوى بقوله تعالى : * ( ( وتَزَوَّدُوا ) ) * [١] الآية . ولمّا كان حاصل التّقوى [٢] يعود الى خشية اللَّه ولزوم الاعمال الصّالحة ولم تكن ذلك الَّا في الدّنيا بحركات الفكر في العبرة بها وحركات الجوارح بالعبادة فيها قال : فى الدّنيا من الدّنيا ، وظاهر انّ التّقوى يحرز الانسان نفسه بها من عذاب اللَّه يوم القيامة .
[١] سورة البقرة - ١٩٧
[٢] الجملة الواقعة بين القوسين لم تكن في نسخة ش .