اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٦ - من خطبة له عليه السلام في بيان تقبيح الدنيا ، وذكر معائبها
وفى كلّ أكلة غصص لا تنالون منها نعمة إلَّا بفراق أخرى ، ولا يعمّر معمّر منكم يوما من عمره إلَّا بهدم آخر من أجله ، ولا تجّدّد له زيادة فى أكله إلَّا بنفاد ما قبلها من رزقه ، ولا يحيا له أثر إلَّا مات له أثر ، ولا يتجدّد له جديد إلَّا بعد أن يخلق له جديد ، ولا تقوم له نابتة إلَّا وتسقط منه محصودة . وقد مضت أصول نحن فروعها ، فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله اقول : استعار لهم لفظ الغرض : لرميهم بسهام المنايا ، والانتضال : الرمى : وكنّى بالجرعة والاكلة : عن لذّات الدنيا ، وبالشرق والغصص : عما يلزمها من الاكدار . وقوله : لا يبالون ، الى قوله : محصورة : فرق لطيف بين لذّات الدنيا والآخرة ، هو : انّ لذّات الدنيا ، لا يمكن ان يجتمع للانسان نوعان منها معا ، لكونها حاصلة من طرق الحوّاس المختلفة ، فعند ما يتوجّه النفس الى تحصيل نوع منها ويستغلّ به ، يفارق غيره ، ولانّ ملذّاتها زمانيّة فهى فى معرض الزوال ، فلا يكاد يجتمع منها نوعان يستلَّذ بهما فى حال واحد ، بخلاف اللذّات الاخرويّة . واكله : بالهاء وضمّ الهمزة : ما كوله . والاثر : كالولد ، والنابتة والمحصورة : حقيقتان فى النبات ، وكنى بهما عما يتجدّد للانسان من خير وعما يعدم له .
والأصول الماضية : الآباء .
منها : وما أحدثت بدعة إلَّا تركت بها سنّة ، فاتّقوا البدع ، والزموا المهيع ، إنّ عوازم الأمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها .
أقول : البدعة : كلَّما احدث فى الدين من غير حجّة شرعية ، ووجه استلزامها لترك السّنة ان تركها من السّنة : فارتكابها يستلزم ترك السّنة . والمهيع : الطريق الواسع وهى : الشريعة . والعوازم : جمع عوزم واراد بها : قدائم السنن التي كانت على عهد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله . ومحدثاتها : هى البدع وكونها شرارا لمخالفتها الدين .