القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١١٩ - الفصل السادس كيفيات الأهوية ومقتضيات الفصول
واجبه أحكام خاصة ويشترك آخر كل فصل وأول الفصل الذي يتلوه في أحكام الفصلين وأمراضهما.
والربيع إذا كان على مزاجه فهو أفضل فصل وهو مناسب لمزاج الروح والدم، وهو مع اعتداله الذي ذكرناه يميل عن قرب إلى حرارة لطيفة سمائية ورطوبة طبيعية، وهو يحمر اللون لأنه يجذب الدم باعتدال، ولم يبلغ أن يحلله تحليل الصيف الصائف. والربيع تهيج فيه الأمراض المزمنة لأنه يجري الأخلاط الراكدة ويسيلها، ولذلك السبب تهيج فيه ماليخوليا أصحاب الماليخوليا ومن كثرت أخلاطه في الشتاء لنهمه وقلة رياضته استعد في الربيع للأمراض التي تهيج من تلك المواد بتحليل الربيع لها، وإذا طال الربيع واعتداله قلت الأمراض الصيفية. وأمراض الربيع اختلاف الدم والرعاف وتهيج الماليخوليا التي في طبع المرة والأورام والدماميل والخوانيق وتكون قتالة وسائر الخراجات، ويكثر فيه انصداع العروق ونفث الدم والسعال، وخصوصاً في الشتوي منه الذي يشبه الشتاء ويسوء أحوال من بهم هذه الأمراض، وخصوصاً السد، ولتحريكه في المبلغمين مواد البلغم تحدث فيه السكتة والفالج وأوجاع المفاصل وما يوقع فيها حركة من الحركات البدنية والنفسانية مفرطة، وتناول المسخنات أيضاً، فإنهما يعينان طبيعة الهواء ولا يُخَلص من أمراض الربيع شيء، كالفصد والإستفراغ والتقليل من الطعام والتكثير من الشراب والكسر من قوة الشراب المسكر بمزجه. والربيع موافق للصبيان ومن يقرب منهم.
وأما الشتاء فهو أجود للهضم لحصر البرد جوهر الحار الغريزي، فيقوي ولا يتحلل ولقلة الفواكه واقتصار الناس على الأغذية الخفيفة وقلة حركاتهم فيه على الإمتلاء، ولإيوائهم إلى المدافىء، وهو أكثر الفصول للمدة السوداء لبرده وقصر نهاره مع طول ليله. وأكثرها حقناً للمواد وأشدها إحواجاً إلى تناول المقطعات والملطفات والأمراض الشتوية أكثرها بلغمية. ويكثر فيه البلغم حتى إن أكثر القيء فيه البلغم ولون الأورام يكون فيه إلى البياض على أكثر الأمر. ويكثر فيه أمراض الزكام ويبتدىء الزكام مع اختلاف الهواء الخريفي، ثم يتبعه ذات الجنب وذات الرئة والبحوحة وأوجاع الحلق، ثم يحدث وجع الجنب نفسه والظهر وآفات العصب والصداع المزمن، بل السكتة والصرع كل ذلك لإحتقان المواد البلغمية وتكثرها. والمشايخ يتأذون بالشتاء، وكذلك من يشبههم. والمتوسطون ينتفعون به، ويكثر الرسوب في البول شتاء بالقياس إلى الصيف، ومقداره أيضاً يكون أكثر.
و أما الصيف فإنه يحلل الأخلاط ويضعف القوة والأفعال الطبيعية لسبب إفراط التحليل، ويقل الدم فيه والبلغم، ويكثر المرار الأصفر، ثم في آخره المرار الأسود بسبب تحلل الرقيق واحتباس الغليظ واحتقانه. وتجد المشايخ ومن يشبههم أقوياء في الصيف ويصفر اللون بما يحلل من الدم الذي يجذبه وتقصر فيه مدد الأمراض لأن القوة إن كانت قوية وجدت من الهواء معيناً على التحليل، فأنضجت مادة العلة ودفعتها، وإن كانت ضعيفة زادها الحر الهوائي ضعفاً