رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٦٩ - مسائل عن احوال الروح (الجواب لابن مسكويه)
و اشتد و لم يكن عليها منه فيغدى الجسم من الطبائع و يغدت النفس من العلوم فاول غداء العلم الظاهر الذي هو لها بمنزلة ظاهر الجسد فهو ابدا يكره الخروج عنه الى غيره حتى يصير الى الباطن فاذا صار الى الباطن و سمع البيان و عرف الحدود و كان ذلك بمنزلة البطن و هو بمنزلة الجسد الذي وجد الغذاء فى بطن الام فاعتدلت صورته و تمت جوارحه و هو ابدا مكره مفارقة من هذا العالم كما كان مكره ذلك المولود و الخروج من البطن امّه فاذا اخرج النفس المرسة العالم العلوى الى العالم اللطيف و خدمه من الفسخة من جوف الفلك حين خروج من بطن امّه فهو لا يحسّ ابدا الى هذا العالم اذا كان منعما متلذذا فاما النفس الخاسرة فانها تتمنى الى الرجوع و لا تجد الى ذلك سبيلا و ليس كما قاله اصحاب التناسخ ان الارواح فى البهائم و غيرها لانّ النفوس لا يخلوا من حالين اما سعيدة اما شقية و اما السعيدة فقد وجدت ما اشتهت من نجاتها و تخلصت من الآفات و الآلام و الاوجاع و الاسقام و الذي جازاها الله عزّ و جلّ بصالح عملها هو اعدل من ان يروها الى دار البلوى فتمنحنها بالبلايا و هى غير مستوجبه. و اىّ النفس الشقية فقد لحقت بما اكتسبت من سوء عملها و كفرها و طغيانها و الذي عاقبها على كسبها هو اعدل من ان يروها الى دار الدنيا فيتنفس الى زوجها و تتلذذ فى الاجساد ممّا من جسد من البهائم و السباع و الطير و غيرها من الحيوان الذي زعم التناسخ ان الارواح فسخت لها الّا و هو تتلذذ بالاكل و الشرب و النكاح و ناشر و ينطر و يطرب بل هى المنيط اغتشاء من الانسان و الانسان اكثر غموما و بلايا منها فلو كانت هذه النفس منسوخة لما استراحت و لما لنعمت و لا يطريب فان الدنيا شقية كانت ام سعيدة فما لها ما وصفنا بل خلق دارين دار الدنيا للعمل و دار الآخرة للثواب و العقاب و هذا اشبه بالعدل و الحكمة بل ليس العدل غيره و لا الحكمة سواه. و اما قولك كيف يكون و كيف يتصور فى الاوهام فتأمل حال نفسك فى تعطيك فانت ترى و تعمد فى منامك اذا حلت النفس عن الجسد ما ترى و تعمد ما تعطيك اذا ارسلت النفس الجسد فالنفس قائمة بذاتها من غير جسد فى نومها و هى ترى فى منامها ما ترى فى يقظتها و يبلغ ما يبلغه فى تلك الحال بين اللحوق