رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٩١ - الفصل فى النفس
فحرك النفس البدن. فنقول ان النفس تحرك البدن بالجهة الرابعة من النوع الثاني من التحريك و هو انها تحرك البدن و هى غير متحركة محركة بانها تسلب بادى لحركته اذ كان الانسان يفعل بها و يحس بها فالحس متحرك بانه ينفعل و النفس محرك بانها يفعل.
فكما انّ الصياغة علة حركة الصائغ و ليس يتحرك الصياغة لحركة للصائغ كذلك النفس تحرك البدن و ليس يتحرك بحركته. فالنفس المحركة اذن علة حركة الحيوان بالشهوة و الفعل و النقاة و هى لا يتحرك بضرب من ضروب حركة فى الاجسام لانها لا جسم. و اذ قد شرحنا قول افلاطن الذي حدبه النفس و بينا معنى كلّ لفظ فيه فلنأخذ الآن فى شرح حد ارسطاطليس للنفس. فنقول ان ارسطاطليس حد النفس بان قال انها كمال. و ذلك انّ من الأشياء ما هو بالقوة و منها ما هو بالفعل. و اذا كان الشىء بالفعل نعت بالكمال و كماله قبول النوع فمن هذه الجهة سمّي النفس كمالا. و ذلك انّ المنى حيّ بالقوة فاذا صار حيا بالفعل قيل انه قد كمل و كماله قبول انواعه اعنى ان يكون ذا نفس حساسا متحركا بارادته. (و قد) وجب مما قلنا انّ النفس نوع للحىّ لا محالة اذ كانت كمالا للحى و كمال الشىء هو قبوله لنوعه. فاذا صح انّ النفس نوع و سمينا النوع كمالا وجب علينا ان نفحص جهات الكمال و نخبر باىّ جهة منها يضاف الى النفس.
فنقول: اذ الكمال يقال على ضربين فمنه اول و منه ثانى فالكمال الأول فى الانسان هو العلوم و الصنائع و الكمال الثاني فى الانسان هو معالجة ما يعلم من العلوم و الصنائع. و مثال ذلك انّ الطبيب يقال انّ له كمالا اوليا يعلم الطب فاذا عالج بما يعلم قيل انّ له كمالا ثانيا للنفس فالنفس كمال الأول لان النائم و ان كان لا حس له فى وقت نومه فان له النفس الحساسة. و كلّ نوع و كمال فهو نوع و كمال الشىء بالنفس نوع. و كمال الجسم و الاجسام صنفان. فمنها ما نوعه فيه طبيعىّ كالحيوان و النبات و النار و الهواء و كلّ ما له حركة ذاتية فى نفسه و منها ما يكتسب له نوع بالصناعة كالباب و السرير. فالنفس نوع لجسم طبيعىّ لان الجسم ليس من افعال