رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٢٢ - رسالة فى النفس و بقائها و معادها ابن سينا
كانت لاجل الانسانية هى على هذا الحدّ او حدّ آخر [١] وجهة اخرى من الكم و الكيف و الاين و الوضع لكان كل واحد من الناس يجب ان يشتركوا فيه فاذن الصورة الانسانية بذاتها غير مستوجبة لان يلحقها شىء من هذه اللواحق فهذه اللواحق غريبة عارضة لها من جهة المادة ضرورة لان المادة التي يفارقها قد يكون لحقها هذه اللواحق [٢] وقع وقوع نسبة بينها و بين المادة فاذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الاصل و ذلك لانه ينزع الصورة من المادة مع جميع لواحقها و لا يمكنه ان يثبت تلك الصورة ان غابت المادة فكان لم ينزع الصورة عن المادة نزعا محكما بل يحتاج الى وجود المادة ايضا فى ان يكون تلك الصورة موجودة لها و اما الخيال و التخيل فانه برى الصورة المنزوعة عن المادة نرما؟ اشد و كذلك يأخذها عن المادة بحيث لا يحتاج فى وجودها فيها الى وجود مادتها لان المادة و ان غابت و بطلت فان الصورة يكون ماهية الوجود فى الخيال الّا انها لا تكون مجردة عن اللواحق المادية فالحس لم يجردها عن المادة تجريدا تاما و لا جردتها عن لواحق المادة و اما الخيال فانه قد جردها عن المادة تجريدا تاما و لكن لم تجردها البتة عن لواحق المادة لان الصورة فى الخيال على حسب الصور المحسوسة على يقدر ما و يكشف ما وضع ما و ليس يمكن فى الخيال البتة ان يتخيل صورة من كمال يمكن ان يشترك به جميع اشخاص ذلك النوع فان الانسان المتخيل يكون كواحد من الناس و يجوز ان يكون ناس موجودين و متخيلون ليسوا على نحو ما تخيل الخيال ذلك الانسان و انا الوهم فانه قد فعل قليلا عن هذه المرتبة فى التجريد لانه ينال المعانى التي ليست هى فى ذواتها بمادية و ان عرض لها ان يكون فى مادة و ذلك لان الشكل و اللون و الوضع و ما اشبه ذلك امور لا يمكن ان يكون الا المواد جسمانية و اما الخير و الشر و الموافق و المخالف و ما اشبه ذلك فهى امور فى انفسها غير مادية و قد عرض لها ان يكون فى مادة و الدليل على ان هذه
[١] من الكم و الكيف و الاين و الوضع لكان يجب ان يكون كل انسان مشاركا لآخر فى تلك المعاد و لو كان لاجل الانسانية على حد آخر.
[٢] فالجنس يأخذ الصورة عن المادة مع هذه اللواحق.